تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
أهل الاعتدال في النظر ، فيؤوّل الآيات على خلاف ما يراه أهل الظاهر من الصفاتيين ، من الأشاعرة وأهل القول بالجبر والتشبيه . مثلا ، في قوله تعالى :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
« 1 » يقول : « ختم اللّه على قلوبهم » أي شهد عليها بأنها لا تقبل الحق . يقول القائل : أراك تختم على كل ما يقول فلان ، أي تشهد به وتصدّقه ، وذلك استعارة . وقيل : « ختم » بمعنى طبع فيها أثرا للذنوب ، كالسمة والعلامة ، لتعرفها الملائكة فيتبرّءوا منهم ، ولا يوالوهم ، ولا يستغفروا لهم . وقيل : المعنى أنّه ذمهم بأنها كالمختوم عليها في أنّها لا يدخلها الإيمان ، ولا يخرج عنها الكفر . قال الشاعر :
لقد أسمعت لو ناديت حيّا * ولكن لا حياة لمن تنادي « 2 »
وعند قوله :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
« 3 » يقول : والمعنى أنهم صم عن الحق لا يعرفونه ؛ لأنهم كانوا يسمعون بآذانهم . وبكم عن الحق لا ينطقون . مع أن ألسنتهم صحيحة ، عمي لا يعرفون الحق وأعينهم صحيحة ، كما قال :
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
« 4 » . قال : وهذا يدل على أن قوله :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
و
طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها
« 5 » ليس هو على وجه الحيلولة بينهم وبين الإيمان ؛ لأنه وصفهم بالصم والبكم والعمى مع صحة حواسهم ، وإنما أخبر بذلك عن إلفهم الكفر واستثقالهم للحق والإيمان ، كأنهم ما سمعوه
هامش
( 1 ) البقرة / 7 . ( 2 ) التبيان ، ج 1 ، ص 63 - 64 . ( 3 ) البقرة / 18 . ( 4 ) الأعراف / 198 . ( 5 ) النساء / 155 .