تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
يقرأ أحدنا كلاما ليس من لغته فلا يعرف معناه ، من قال ذلك فقد كذب على القوم ، والمأثور عنهم متواترا يناقض هذا الزعم ، وأنهم يفهمون معنى المتشابه كما يفهمون معنى المحكم - قال بعد ذلك : فإن قيل : هذا يقدح فيما ذكرتم من الفرق بين التأويل الذي يراد به التفسير ، وبين التأويل الذي في كتاب اللّه . قيل : لا يقدح في ذلك ، فإن معرفة تفسير اللفظ ومعناه وتصوّره في القلب ، غير معرفة الحقيقة الموجودة في الخارج ، المرادة بذلك الكلام . فإن الشيء له وجود في الأعيان ، ووجود في الأذهان ، ووجود في اللّسان ، ووجود في البيان . فالكلام لفظ له معنى في القلب ، ويكتب ذلك اللفظ بالخطّ . فإذا عرف الكلام وتصوّر معناه في القلب وعبّر عنه باللّسان ، فهذا غير الحقيقة الموجودة في الخارج ، وليس كل من عرف الأول عرف عين الثاني . مثال ذلك : أن أهل الكتاب يعلمون ما في كتبهم من صفة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وخبره ونعته ، وهذا معرفة الكلام ومعناه وتفسيره ، وتأويل ذلك هو نفس محمّد المبعوث ؛ فالمعرفة بعينه معرفة تأويل ذلك الكلام . وكذلك الإنسان قد يعرف الحجّ والمشاعر ، كالبيت والمساجد ومنى وعرفة ومزدلفة ، ويفهم معنى ذلك ولا يعرف الأمكنة حتى يشاهدها ، فيعرف أن الكعبة المشاهدة هي المذكورة في قوله :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
وكذلك أرض عرفات وغيرها . وكذلك الرؤيا يراها الرجل ، ويذكر له العابر تأويلها فيفهمه ويتصوره ، ثم إذا كان ذلك فهو تأويل الرؤيا ، ليس تأويلها نفس علمه وتصوره وكلامه ؛ ولهذا قال يوسف الصدّيق :
هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ
وقال :
لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما
فقد أنبأهما بالتأويل قبل أن يأتي التأويل ،