تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
من أفعالهم الاختيارية . والأمثلة على ذلك كثيرة ومنبثّة في القرآن الكريم ، غير خفية على الناقد البصير .

وجهة رابعة :

قد سلك القرآن في تعاليمه وبرامجه الناجحة مسلكا ، ينتفع به الجمهور ، ويخضع له العلماء ، ومن ثم جاء بتعابير يفهمها كل من الصّنفين : الجمهور يأخذون بظاهر الكلام ويتصورون له من المعاني ما ألفت بها أذهانهم في الأمور المحسوسة ، ويحسبون فيما وراء محسوسهم ما يشاكل المحسوس ، ويقتنعون بذلك ، ويستريح بالهم . والعلماء يعرفون حقيقة الحال التي جاءت في طيّ المقال ، ويأخذون بلطائف الإشارات وظرائف الكنايات التي مثّلت لهم الحقيقة في واقع الأمر ، بما يخضعهم له ويطمئنّون إليه . خذ لذلك مثلا قوله تعالى - تعبيرا عن ذاته المقدّسة في عالم الكون - :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . .
لمّا كان أرفع الموجودات في الحسّ هو النور ، ضرب اللّه به المثال ، وبهذا النحو من التصور أمكن للجمهور أن يفهموا من الذات المقدسة موجودا أجلى وأظهر فيما وراء الحسّ ، يشبه أن يكون مثل النور في المحسوس شبها ما ، ويقتنعون بذلك . أما العلماء فيرون من هذا التشبيه أقرب ما يكون تصوّرا من ذاته المقدسة ، فليس في عالم المحسوس ما يكون على مثاله ، وفي أخص أوصافه تعالى كالنور الذي هو ظاهر في نفسه ، ومظهر لغيره ، وليس شيء في عالم المحسوس ( المبصرات ) إلّا ويكون ظهوره بالنور ، أما النور فهو ظاهر بنفسه وليس بغيره . وكذا لا يكون - في عالم المحسوس - شيء أكثر ظهورا وفي نفس الوقت