تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
تعالى ، وينزع الملك ممن اقتضت حكمته . وهكذا
نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ
« 1 » ، أي من تقتضيه حكمتنا أن نرفعه ، أي من كانت المقتضيات متوفرة في ذات نفسه ، فالاقتضاء إنما هو في ذاته ، فهو محل صالح لهذه العناية الربانية ، وليس اعتباطا أو ترجيحا من غير مرجّح ؛ حيث الحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها . والدليل على ذلك ، تذييل الآية بقوله :
إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
فالحكيم لا يشاء شيئا إلّا ما كان وفق حكمته ، وليس مطلق المشيئة . والتعابير من هذا القبيل كثيرة في القرآن ، وإنما هي مصطلحات قرآنية ، لا تعرف إلّا من قبله ؛ ليكون القرآن هو الذي يفسّر بعضه بعضا . ومن المصطلح المتعارف في القرآن ، اعتماده المعهود من قرائن حاليّة ، ليصدر أحكاما في صورة قضايا خارجية - إشارة إلى المعهود الحاضر حال الخطاب - وليست بقضايا حقيقيّة ، حتى تكون الأحكام مترتبة على الموضوعات ، متى وجدت وأين وجدت . هذه الظاهرة كثيرة الدور في القرآن الكريم ، وربما زعم زاعم أنّها قضايا حقيقية دائمة ، وليست كذلك . مثلا قوله تعالى :
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ . وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا . وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى . ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
« 2 » . ليس المراد مطلق اليهود ، سواء من عاصر نبيّ الإسلام أم غيرهم ، ولا مطلق
هامش
( 1 ) الأنعام / 83 . ( 2 ) المائدة / 82 .