هذا ، والفرار من الموت غير حري لدى العاقل ، لأنّه لا يستقدم ساعة ولا يستأخر ، وفي المجمع عن أمير المؤمنين عليه السّلام « كلّ امرئ لاق ما يفرّ منه ، والأجل مساق النفس ، والهرب منه موافاته » « 1 » . وفي الصّافي عن القمّي عنه عليه السّلام قال : « أيّها الناس كلّ امرئ لاق في فراره ما منه يفر ، والأجل مساق النفس إليه ، والهرب منه موافاته » « 2 » .
فإن قيل : على ما ذكرتم من قبح الفرار لعدم فائدته ، حيث إنّ الموت لا يستأخر ، يلزم قبح تمنّيه بمثل ذلك ، فما وجه تمنّي بعض أوليائه له ؟
قلت : ليس التمنّي مثل الفرار ، لأنّه يصحّ تمنّي الشيء الذي لا يقع ، فإنّه عبارة عن إظهار حبّ الشيء ، وهو لا ينافي العلم بعدم الوقوع ، قال إسماعيل بن قاسم أبو العتاهية :
فياليت الشباب يعود يوماً * فأخبره بما فعل المشيب « 3 »
ونفس إظهاره عبادة ، حيث إنّه تشوق إلى لقاء اللَّه تعالى وإلى دار كرامته ، وهو إقبال النفس إلى الآخرة ، كما أنّه إدبار النفس عن
هامش
( 1 ) مجمع البيان 10 / 366 .
( 2 ) تفسير القمّي 2 / 366 - 367 ، وتفسير البرهان 5 / 377 ، وتفسير الصّافي 5 / 173 .
( 3 ) ديوان أبي العتاهية : 23 .