هذا ما عرضنا على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : أنزلت
عَبَسَ وَتَوَلَّى
في ابن أم مكتوم الأعمى ، أتى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجعل يقول أرشدني ، قالت وعند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجل من عظماء المشركين ، قالت : فجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول : « أترى بما أقول بأسا ؟ » فيقول : لا ! ففي هذا أنزلت
عَبَسَ وَتَوَلَّى
« 1 » وقد روى الترمذي هذا الحديث عن سعيد بن يحيى الأموي بإسناده مثله ، ثم قال : وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة عن أبيه قال : أنزلت
عَبَسَ وَتَوَلَّى
في ابن أم مكتوم ولم يذكر فيه عن عائشة . قلت : كذلك هو في الموطأ .
ثم روى ابن جرير « 2 » وابن أبي حاتم أيضا من طريق العوفي عن ابن عباس قوله :
عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى
قال : بينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب ، وكان يتصدى لهم كثيرا ويحرص عليهم أن يؤمنوا فأقبل إليه رجل أعمى يقال له عبد اللّه ابن أم مكتوم يمشي وهو يناجيهم ، فجعل عبد اللّه يستقرئ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم آية من القرآن ، وقال : يا رسول اللّه علمني مما علمك اللّه ، فأعرض عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعبس في وجهه وتولى وكره كلامه ، وأقبل على الآخرين فلما قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نجواه وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك اللّه بعض بصره وخفق برأسه ثم أنزل اللّه تعالى :
عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى
.
فلما نزل فيه ما نزل أكرمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكلمه وقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما حاجتك ؟ هل تريد من شيء ؟ - وإذا ذهب من عنده قال - هل لك حاجة في شيء ؟ » وذلك لما أنزل اللّه تعالى :
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى . وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى
فيه غرابة ونكارة ، وقد تكلم في إسناده .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا عبد اللّه بن صالح ، حدثنا الليث ، حدثني يونس عن ابن شهاب قال : قال سالم بن عبد اللّه عن عبد اللّه بن عمر يقول :
سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم » وهو الأعمى الذي أنزل اللّه تعالى فيه
عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى
وكان يؤذن مع بلال ، قال سالم : وكان رجلا ضرير البصر فلم يك يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر أذن . وهكذا ذكر عروة بن الزبير ومجاهد وأبو مالك وقتادة والضحاك وابن زيد وغير واحد من السلف والخلف أنها نزلت في ابن أم مكتوم ، والمشهور أن اسمه عبد اللّه ويقال عمرو ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 80 ، باب 1 ، ومالك في القرآن حديث 8 .
( 2 ) تفسير الطبري 12 / 443 .