تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
الليلة الظلماء ، وقوله تعالى :
وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها
أي جعل ليلها مظلما أسود حالكا ونهارها مضيئا مشرقا نيرا واضحا ، وقال ابن عباس : أغطش ليلها أظلمه ، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وجماعة كثيرون
وَأَخْرَجَ ضُحاها
أي أنار نهارها . وقوله تعالى :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
فسره بقوله تعالى :
أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها
وقد تقدم في سورة حم السجدة أن الأرض خلقت قبل خلق السماء ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء ، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل ، وهذا معنى قول ابن عباس وغير واحد واختاره ابن جرير . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عبد اللّه بن جعفر الرقي ، حدثنا عبيد اللّه يعني ابن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس
دَحاها
ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وشقق فيها الأنهار ، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام ، فذلك قوله :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
وقد تقدم تقرير ذلك هنالك . وقوله تعالى :
وَالْجِبالَ أَرْساها
أي قررها وأثبتها وأكدها في أماكنها وهو الحكيم العليم ، الرؤوف بخلقه الرّحيم . وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لما خلق اللّه الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الجبال ؟ قال نعم : الحديد ، قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد ؟ قال نعم : النار ، قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار ، قال : نعم الماء ، قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء ؟ قال : نعم الريح ، قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح ؟ قال : نعم ، ابن آدم يتصدق بيمينه يخفيها عن شماله » « 1 » . وقال أبو جعفر بن جرير « 2 » : حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن عطاء عن أبي عبد الرّحمن السلمي عن علي قال : لما خلق اللّه الأرض قمصت وقالت تخلق عليّ آدم وذريته يلقون عليّ نتنهم ويعملون عليّ بالخطايا ، فأرساها اللّه بالجبال فمنها ما ترون ومنها ما لا ترون ، وكان أول قرار الأرض كلحم الجزور إذا نحر يختلج لحمه . غريب جدا . وقوله تعالى :
مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
أي دحا الأرض فأنبع عيونها ، وأظهر مكنونها ، وأجرى أنهارها ، وأنبت زروعها وأشجارها وثمارها . وثبت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها ، كل ذلك متاعا لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 113 ، باب 3 ، وأحمد في المسند 3 / 124 . ( 2 ) تفسير الطبري 12 / 439 .