[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 76 إلى 83 ]
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ ( 76 ) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ( 77 ) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 78 ) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 79 ) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 80 )
بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ ( 81 ) قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 82 ) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 83 )
يقول تعالى :
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ
أي ابتليناهم بالمصائب والشدائد
فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ
أي فما ردهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة ، بل استمروا على غيهم وضلالهم
فَمَا اسْتَكانُوا
، أي ما خشعوا
وَما يَتَضَرَّعُونَ
أي ما دعوا ، كما قال تعالى :
فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ
[ الأنعام : 43 ] الآية . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا محمد بن حمزة المروزي ، حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أبي عن يزيد - يعني النحوي - عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال : جاء أبو سفيان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا محمد أنشدك اللّه والرحم ، فقد أكلنا العلهز - يعني الوبر والدم - فأنزل اللّه
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا
الآية ، وكذا رواه النسائي عن محمد بن عقيل عن علي بن الحسين عن أبيه به ، وأصله في الصحيحين أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا على قريش حين استعصوا ، فقال : « اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف » « 1 » .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا سلمة بن شبيب ، حدثنا عبد اللّه بن إبراهيم بن عمر بن كيسان ، حدثني وهب بن عمر بن كيسان قال حبس وهب بن منبه فقال له رجل من الأبناء : ألا أنشدك بيتا من شعر يا أبا عبد اللّه ؟ فقال وهب : نحن في طرف من عذاب اللّه ، واللّه يقول :
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ
قال :
وصام وهب ثلاثا متواصلة ، فقيل له : ما هذا الصوم يا أبا عبد اللّه ؟ قال : أحدث لنا فأحدثنا ، يعني أحدث لنا الحبس فأحدثنا زيادة عبادة .
وقوله :
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
أي حتى إذا جاءهم أمر اللّه وجاءتهم الساعة بغتة ، فأخذهم من عذاب اللّه ما لم يكونوا يحتسبون فعند ذلك أبلسوا « 2 » من كل خير وأيسوا من كل راحة ، وانقطعت آمالهم ورجاؤهم ، ثم ذكر تعالى نعمه على عباده بأن جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة ، وهي العقول والفهوم التي يذكرون بها الأشياء ويعتبرون بما في الكون من الآيات الدالة على وحدانية اللّه وأنه الفاعل المختار لما يشاء .
وقوله :
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
أي ما أقل شكركم للّه على ما أنعم به عليكم ، كقوله :
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
[ يوسف : 103 ] ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة وسلطانه القاهر في برئه « 3 » الخليقة وذرئه « 4 » لهم في سائر أقطار الأرض على اختلاف أجناسهم
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الدعوات باب 58 .
( 2 ) أبلسوا : أي يئسوا .
( 3 ) البرء : الخلق .
( 4 ) الذرء : الخلق ، وذرأ الشيء : كثّره ومنه الذّريّة .