تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
بالحنيفية السمحة » « 1 » وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن « بشّرا ولا تنفّرا ويسّرا ولا تعسرا » « 2 » ، والأحاديث في هذا كثيرة ، ولهذا قال ابن عباس في قوله :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
يعني من ضيق . وقوله :
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ
قال ابن جرير « 3 » : نصب على تقدير
ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
أي من ضيق بل وسعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم ، قال : ويحتمل أنه منصوب على تقدير الزموا ملة أبيكم إبراهيم . ( قلت ) وهذا المعنى في هذه الآية كقوله :
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
[ الأنعام : 161 ] الآية ، وقوله :
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ
وفي هذا قال الإمام عبد اللّه بن المبارك عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله :
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ
قال : اللّه عز وجل ، وكذا قال مجاهد وعطاء والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ
يعني إبراهيم ، وذلك قوله :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
[ البقرة : 128 ] قال ابن جرير : وهذا لا وجه له ، لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين ، وقد قال اللّه تعالى :
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا
قال مجاهد : اللّه سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر ،
وَفِي هذا
يعني القرآن ، وكذا قال غيره . ( قلت ) وهذا هو الصواب ، لأنه تعالى قال :
هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه ، بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل ، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان ، فقال :
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ
أي من قبل هذا القرآن
وَفِي هذا
روى النسائي عند تفسير هذه الآية : أنبأنا هشام بن عمار ، حدثنا محمد بن شعيب ، أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام أخبره عن أبي سلام أنه أخبره ، قال : أخبرني الحارث الأشعري عن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم قال « من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم » قال رجل : يا رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم وإن صام وصلى ؟ قال « نعم وإن صام وصلى » فادعوا بدعوة اللّه التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد اللّه ، وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 266 ، 6 / 116 ، 233 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الجهاد باب 164 ، والمغازي باب 60 ، والأدب باب 80 ، والأحكام باب 22 ، ومسلم في الجهاد حديث 71 ، وأبو داود في الأدب باب 17 ، والدارمي في المقدمة باب 24 ، وأحمد في المسند 3 / 131 ، 209 ، 4 / 399 ، 412 ، 417 . ( 3 ) تفسير الطبري 9 / 193 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 399 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين