تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
وفي السنن من حديث جماعة من الصحابة أن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم قال : « أول ما خلق اللّه القلم ، قال له : اكتب ، قال وما أكتب ؟ قال : اكتب ما هو كائن ، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » « 1 » . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا ابن بكير ، حدثني عطاء بن دينار ، حدثني سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس : خلق اللّه اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام ، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش تبارك وتعالى : اكتب ، فقال القلم : وما أكتب ؟ قال : علمي في خلقي إلى يوم الساعة ، فجرى القلم بما هو كائن في علم اللّه إلى يوم القيامة ، فذلك قوله للنبي صلّى الله عليه وسلم :
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ
وهذا من تمام علمه تعالى أنه علم الأشياء قبل كونها ، وقدرها وكتبها أيضا ، فما العباد عاملون قد علمه تعالى قبل ذلك على الوجه الذي يفعلونه ، فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع باختياره ، وهذا يعصي باختياره ، وكتب ذلك عنده وأحاط بكل شيء علما ، وهو سهل عليه يسير لديه ، ولهذا قال تعالى :
إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
.

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 71 إلى 72 ]

وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ( 71 ) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 72 ) يقول تعالى مخبرا عن المشركين فيما جهلوا وكفروا وعبدوا من دون اللّه ما لم ينزل به سلطانا ، يعني حجة وبرهانا ، كقوله :
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ
[ المؤمنون : 117 ] ولهذا قال هاهنا :
ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً
و
ما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ
أي ولا علم لهم فيما اختلقوه وائتفكوه ، وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا حجة ، وأصله مما سول لهم الشيطان وزينه لهم . ولهذا توعدهم تعالى بقوله :
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ
أي من ناصر ينصرهم من اللّه فيما يحل بهم من العذاب والنكال ، ثم قال :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ
أي وإذا ذكرت لهم آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد اللّه ، وأنه لا إله إلا هو ، وأن رسله الكرام حق وصدق
يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا
أي يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة من القرآن ، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء
قُلْ
أي يا محمد لهؤلاء
أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي النار وعذابها
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 16 ، والترمذي في القدر باب 17 ، وتفسير سورة 68 ، وأحمد في المسند 5 / 317 .