تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 67 إلى 69 ]

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ ( 67 ) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ( 68 ) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 69 ) يخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكا ، قال ابن جرير « 1 » : يعني لكل أمة نبي منسكا ، قال : وأصل المنسك في كلام العرب هو الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردد إليه إما لخير أو شر ، قال : ولهذا سميت مناسك الحج بذلك لترداد الناس إليها وعكوفهم عليها ، فإن كان كما قال من أن المراد لكل أمة نبي جعلنا منسكا ، فيكون المراد بقوله فلا ينازعنك في الأمر أي هؤلاء المشركين ، وإن كان المراد لكل أمة جعلنا منسكا جعلا قدريا كما قال :
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها
[ البقرة : 148 ] ولهذا قال هاهنا :
هُمْ ناسِكُوهُ
أي فاعلوه ، فالضمير هاهنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق ، أي هؤلاء إنما يفعلون هذا عن قدر اللّه وإرادته ، فلا تتأثر بمنازعتهم لك ولا يصرفك ذلك عما أنت عليه من الحق ، ولهذا قال :
وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ
أي طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود ، وهذا كقوله :
وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ
[ القصص : 87 ] . وقوله :
وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ
. كقوله :
وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
[ يونس : 41 ] . وقوله :
اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ
تهديد شديد ووعيد أكيد ، كقوله :
هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
[ الأحقاف : 8 ] ولهذا قال :
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
وهذه كقوله تعالى :
فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ
[ الشورى : 15 ] . الآية .

[ سورة الحج ( 22 ) : آية 70 ]

أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 70 ) يخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه ، وأنه محيط بما في السماوات وما في الأرض ، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها ، وكتب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ ، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمرو قال : قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم : « إن اللّه قدر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء » « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 9 / 185 . ( 2 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 16 . ولفظه : « كتب اللّه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض » .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 395 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين