تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
وأغفلتها ، كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك
فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا
[ الأعراف : 51 ] فإن الجزاء من جنس العمل . فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه ، فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص ، وإن كان متوعدا عليه من جهة أخرى فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك . قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا خالد عن يزيد بن أبي زياد عن عيسى بن فائد عن رجل عن سعد بن عبادة رضي اللّه عنه ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي اللّه يوم يلقاه وهو أجذم » ، ثم رواه الإمام أحمد من حديث يزيد بن أبي زياد عن عيسى بن فائد عن عبادة بن الصامت ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم فذكر مثله سواء .

[ سورة طه ( 20 ) : آية 127 ]

وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى ( 127 ) يقول تعالى : وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات اللّه في الدنيا والآخرة
لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ
[ الرعد : 34 ] ولهذا قال :
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى
أي أشد ألما من عذاب الدنيا وأدوم عليهم ، فهم مخلدون فيه ، ولهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم للمتلاعنين : « إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة » « 2 » .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 128 إلى 130 ]

أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ( 128 ) وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ( 129 ) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ( 130 ) يقول تعالى :
أَ فَلَمْ يَهْدِ
لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به يا محمد كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم ، فبادوا فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر ، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية التي خلفوهم فيها يمشون فيها
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى
أي العقول الصحيحة والألباب المستقيمة ، كما قال تعالى :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ الحج : 46 ] وقال في سورة ألم السجدة :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ
[ السجدة : 26 ] الآية . ثم قال تعالى :
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى
أي لولا الكلمة السابقة من اللّه وهو أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه ، والأجل المسمى الذي ضربه اللّه
هامش
( 1 ) المسند 5 / 285 ، 323 ، 327 ، 328 . ( 2 ) أخرجه مسلم في اللعان حديث 4 ، وأبو داود في الطلاق باب 27 ، والترمذي في تفسير سورة 24 ، باب 2 ، والطلاق باب 22 ، والدارمي في النكاح باب 39 ، وأحمد في المسند 1 / 310 ، 2 / 19 .