تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
وقوله :
وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً
قيل : معناه زرق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال
يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ
قال ابن عباس : يتسارون بينهم ، أي يقول بعضهم لبعض : إن لبثتم إلا عشرا أي في الدار الدنيا ، لقد كان لبثكم فيها قليلا عشرة أيام أو نحوها ، قال اللّه تعالى :
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ
أي في حال تناجيهم بينهم
إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً
أي العاقل الكامل فيهم
إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً
أي لقصر مدة الدنيا في أنفسهم يوم المعاد ، لأن الدنيا كلها وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها وساعاتها ، كأنها يوم واحد ، ولهذا يستقصر الكافرون مدة الحياة الدنيا يوم القيامة ، وكان غرضهم في ذلك درء قيام الحجة عليهم لقصر المدة ، ولهذا قال تعالى :
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
- إلى قوله -
وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
[ الروم : 55 - 56 ] وقال تعالى :
أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ
[ فاطر : 37 ] الآية ، وقال تعالى :
كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
[ المؤمنون : 112 - 114 ] أي إنما كان لبثكم فيها قليلا ، لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني ، ولكن تصرفتم فاسأتم التصرف ، قدمتم الحاضر الفاني على الدائم الباقي .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 105 إلى 108 ]

وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ( 105 ) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً ( 106 ) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ( 107 ) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ( 108 ) يقول تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ
أي هل تبقى يوم القيامة أو تزول ؟
فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً
أي يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرا
فَيَذَرُها
أي الأرض
قاعاً صَفْصَفاً
أي بساطا واحدا ، والقاع هو المستوي من الأرض ، والصفصف تأكيد لمعنى ذلك ، وقيل الذي لا نبات فيه ، والأول أولى وإن كان الآخر مرادا أيضا باللازم ، ولهذا قال :
لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً
أي لا ترى في الأرض يومئذ واديا ولا رابية ولا مكانا منخفضا ولا مرتفعا ، كذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن البصري والضحاك وقتادة وغير واحد من السلف .
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ
أي يوم يرون هذه الأحوال والأهوال يستجيبون مسارعين إلى الداعي حيثما أمروا بادروا إليه ، ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم ولكن حيث لا ينفعهم ، كما قال تعالى :
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا
[ مريم : 38 ] وقال :
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ
[ القمر : 105 ] وقال محمد بن كعب القرظي : يحشر اللّه الناس يوم القيامة في ظلمة ، ويطوي السماء ، وتتناثر النجوم ، وتذهب الشمس والقمر ، وينادي مناد ، فيتبع الناس الصوت يؤمونه ، فذلك قوله :
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ
وقال قتادة : لا عوج له ، لا يميلون