سفيان الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن أذنان عن علي فذكر نحوه ، وكذا روي عن عكرمة أن سياق هذه القصة للنمروذ ملك كنعان أنه رام أسباب السماء بهذه الحيلة والمكر ، كما رام فرعون ملك القبط في بناء الصرح فعجزا وضعفا ، وهما أقل وأحقر وأصغر وأدحر ، وذكر مجاهد هذه القصة عن بختنصر وأنه لما انقطع بصره عن الأرض وأهلها ، نودي أيها الطاغية أين تريد ؟ ففرق ثم سمع الصوت فوقه ، فصوب الرماح فصوبت النسور ، ففزعت الجبال من هدتها ، وكادت الجبال أن تزول من حس ذلك ، فذلك قوله :
وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ
.
ونقل ابن جريج عن مجاهد أنه قرأها
لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ
بفتح اللام الأولى وضم الثانية ، وروى العوفي عن ابن عباس في قوله :
وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ
يقول : ما كان مكرهم لتزول منه الجبال ، وكذا قال الحسن البصري ، ووجهه ابن جرير بأن هذا الذي فعلوه بأنفسهم من شركهم باللّه وكفرهم به ، ما ضر شيئا من الجبال ولا غيرها ، وإنما عاد وبال ذلك عليهم .
قلت : ويشبه هذا قول اللّه تعالى :
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا
[ الإسراء : 37 ] ، والقول الثاني في تفسيرها ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس
وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ
يقول : شركهم كقوله :
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ
الآية ، وهكذا قال الضحاك وقتادة .
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 47 إلى 48 ]
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ( 47 ) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 48 )
يقول تعالى مقررا لوعده ومؤكدا :
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ
أي من نصرتهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ، ثم أخبر تعالى أنه ذو عزة لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يغالب ، وذو انتقام ممن كفر به وجحده
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ *
[ الطور : 11 ] ، ولهذا قال :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ
أي وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض ، وهي هذه على غير الصفة المألوفة المعروفة ، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقيّ ليس فيها معلم لأحد » « 1 » .
وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا محمد بن عدي عن داود عن الشعبي عن مسروق ، عن عائشة أنها قالت : أنا أول الناس سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن هذه الآية
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 44 ، ومسلم في المنافقين حديث 28 .
( 2 ) المسند 6 / 35 ، 134 .