[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 4 ]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 4 )
هذا من لطفه تعالى بخلقه أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغاتهم ، ليفهموا عنهم ما يريدون ، وما أرسلوا به إليهم ، كما روى الإمام أحمد « 1 » : حدثنا وكيع عن عمر بن ذر قال : قال مجاهد عن أبي ذر : قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لم يبعث اللّه عز وجل نبيا إلا بلغة قومه » . وقوله :
فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
أي بعد البيان وإقامة الحجة عليهم ، يضل اللّه من يشاء عن وجه الهدى ، ويهدي من يشاء إلى الحق
وَهُوَ الْعَزِيزُ
الذي ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ،
الْحَكِيمُ
في أفعاله ، فيضل من يستحق الإضلال ويهدي من هو أهل لذلك .
وقد كانت هذه سنته في خلقه أنه ما بعث نبيا في أمة إلا أن يكون بلغتهم ، فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم ، واختص محمد بن عبد اللّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعموم الرسالة إلى سائر الناس ، كما ثبت في الصحيحين عن جابر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة » « 2 » وله شواهد من وجوه كثيرة . وقال تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً
[ الأعراف : 158 ] .
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 5 ]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 5 )
يقول تعالى : وكما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب لتخرج الناس كلهم ، تدعوهم إلى الخروج من الظلمات إلى النور كذلك أرسلنا موسى إلى بني إسرائيل بآياتنا ، قال مجاهد :
هي التسع الآيات « 3 »
أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ
أي أمرناه قائلين له
أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
أي ادعهم إلى الخير ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال إلى نور الهدى وبصيرة الإيمان .
وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ
أي بأياديه ونعمه عليهم في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه ، وإنجائه إياهم من عدوهم ، وفلقه لهم البحر ، وتظليله إياهم بالغمام ، وإنزاله عليهم المن والسلوى إلى غير ذلك من النعم ، قال ذلك مجاهد « 4 » وقتادة وغير واحد .
هامش
( 1 ) المسند 5 / 158 .
( 2 ) أخرجه البخاري في التيمم باب 1 ، ومسلم في المساجد حديث 3 ، 5 ، والترمذي في السير باب 5 .
( 3 ) انظر تفسير الطبري 7 / 416 .
( 4 ) انظر تفسير الطبري 7 / 418 .