تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
إسحاق ، وكانت عندها منطقة « 1 » إسحاق ، وكانوا يتوارثونها بالكبر ، فكان من اختبأها ممن وليها كان له سلما لا ينازع فيه ، يصنع فيه ما يشاء ، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته ، وكان لها به وله ، فلم تحب أحدا حبها إياه حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات ، تاقت إليه نفس يعقوب عليه السلام ، فأتاها فقال : يا أخية سلمي إليّ يوسف ، فو اللّه ما أقدر على أن يغيب عني ساعة . قالت : فو اللّه ما أنا بتاركته ، ثم قالت : فدعه عندي أياما أنظر إليه ، وأسكن عنه لعل ذلك يسليني عنه ، أو كما قالت فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه ، ثم قالت : فقدت منطقة إسحاق عليه السلام ، فانظروا من أخذها ومن أصابها ؟ فالتمست ، ثم قالت : اكشفوا أهل البيت فكشفوهم ، فوجدوها مع يوسف ، فقالت : واللّه إنه لي لسلم ، أصنع فيه ما شئت ، فأتاه يعقوب ، فأخبرته الخبر ، فقال لها : أنت وذلك ، إن كان فعل ذلك فهو سلم لك ، ما أستطيع غير ذلك ، فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت « 2 » ، قال : فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه
إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ
. وقوله :
فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ
يعني الكلمة التي بعدها ، وهي قوله :
أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ
أي تذكرون ، قال هذا في نفسه ولم يبده لهم ، وهذا من باب الإضمار قبل الذكر ، وهو كثير ، كقول الشاعر : [ البسيط ]
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر * وحسن فعل كما يجزي سنمّار « 3 »
وله شواهد كثيرة في القرآن والحديث واللغة في منثورها وأخبارها وأشعارها . قال العوفي عن ابن عباس
فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ
، قال : أسر في نفسه
أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ
.

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 78 إلى 79 ]

قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 78 ) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ ( 79 ) لما تعين أخذ بنيامين وتقرر تركه عند يوسف بمقتضى اعترافهم ، شرعوا يترققون له ويعطفونه عليهم ف
قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً
يعنون وهو يحبه حبا شديدا
هامش
( 1 ) المنطقة : شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 7 / 265 . ( 3 ) البيت لسليط بن سعد في الأغاني 2 / 119 ، وخزانة 1 / 293 ، 294 ، والدرر 1 / 219 ، ومعجم ما استعجم ص 516 ، والمقاصد النحوية 2 / 495 ، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص 489 ، وتذكرة النحاة ص 364 ، وخزانة الأدب 1 / 280 ، وشرح الأشموني 1 / 170 ، وشرح ابن عقيل ص 252 ، وهمع الهوامع 1 / 66 .