[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 27 إلى 30 ]
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 27 ) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 28 ) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 29 ) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 30 )
يذكر تعالى حال الكفار ، إذا وقفوا يوم القيامة على النار ، وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال ، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال ، فعند ذلك ، قالوا
يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
يتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا ، ليعملوا عملا صالحا ، ولا يكذبوا بآيات ربهم ، ويكونوا من المؤمنين .
قال اللّه تعالى :
بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ
أي بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة ، وإن أنكروها في الدنيا أو في الآخرة ، كما قال قبله بيسير
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
ويحتمل أنهم ظهر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم ، من صدق ما جاءتهم به الرسل في الدنيا ، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه ، كقوله مخبرا عن موسى ، أنه قال لفرعون
لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ
[ الإسراء : 102 ] الآية ، وقوله تعالى مخبرا عن فرعون وقومه
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
[ النمل : 14 ] ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين ، الذين كانوا يظهرون الإيمان للناس ويبطنون الكفر ، ويكون هذا إخبارا عما يكون يوم القيامة ، من كلام طائفة من الكفار ، ولا ينافي هذا كون هذه السورة مكية ، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب ، فقد ذكر اللّه وقوع النفاق في سورة مكية ، وهي العنكبوت ، فقال
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ
[ العنكبوت : 11 ] وعلى هذا فيكون إخبارا عن قول المنافقين في الدار الآخرة ، حين يعاينون العذاب ، فظهر لهم حينئذ غب ما كانوا يبطنون من الكفر والنفاق والشقاق ، واللّه أعلم .
وأما معنى الإضراب ، في قوله
بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ
فإنهم ما طلبوا العود إلى الدنيا رغبة ومحبة في الإيمان ، بل خوفا من العذاب الذي عاينوه ، جزاء على ما كانوا عليه من الكفر ، فسألوا الرجعة إلى الدنيا ، ليتخلصوا مما شاهدوا من النار ، ولهذا قال
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
أي في طلبهم الرجعة ، رغبة ومحبة في الإيمان .
ثم قال مخبرا عنهم أنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه ، من الكفر والمخالفة
وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
أي في قولهم :
يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
،
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
،
وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
، أي لعادوا لما نهوا عنه ، ولقالوا
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
أي ما هي إلا هذه الحياة الدنيا ثم لا معاد بعدها ، ولهذا قال وما نحن بمبعوثين ثم قال
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ
أي أوقفوا بين يديه قال
أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ
أي أليس هذا المعاد بحق ، وليس بباطل كما كنتم تظنون ،
قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ