تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 150 إلى 152 ]

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ( 150 ) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ( 151 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 152 ) يتوعد تبارك وتعالى الكافرين به وبرسله ، من اليهود والنصارى حيث فرقوا بين اللّه ورسله في الإيمان فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض بمجرد التشهي والعادة ، وما ألفوا عليه آباءهم لا عن دليل قادهم إلى ذلك ، فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك ، بل بمجرد الهوى والعصبية ، فاليهود - عليهم لعائن اللّه - آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والسامرة لا يؤمنون بنبيّ بعد يوشع خليفة موسى بن عمران ، والمجوس يقال إنهم كانوا يؤمنون بنبي لهم يقال له زرادشت ، ثم كفروا بشرعه فرفع من بين أظهرهم ، واللّه أعلم ، والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه اللّه إلى أهل الأرض ، فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي ، تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانا شرعيا ، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية ، ولهذا قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ
باللّه ورسله فوسمهم بأنهم كفار باللّه ورسله ، ويريدون أن يفرقوا بين اللّه ورسله أي في الإيمان ،
وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا
أي طريقا ومسلكا ، ثم أخبر تعالى عنهم فقال :
أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا
أي كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به ، لأنه ليس شرعيا إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول اللّه ، لآمنوا بنظيره وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانا منه ، أو نظروا حق النظر في نبوته . وقوله :
وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً
أي كما استهانوا بمن كفروا به ، إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من اللّه وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه ، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته ، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيث حسدوه على ما آتاه اللّه من النبوة العظيمة وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه ، فسلط اللّه عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
[ البقرة : 61 ] في الدنيا والآخرة . وقوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
يعني بذلك أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله اللّه وبكل نبي بعثه اللّه ، كما قال تعالى :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ
[ البقرة : 285 ] ، ثم أخبر تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل والثواب الجليل والعطاء الجميل ، فقال :
أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ
على ما آمنوا باللّه ورسله
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
أي
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 394 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين