فوقع أحدهم فعبر ، ثم وقع الآخر حتى إذا أتى على نصف الوادي ناداه الذي على شفير الوادي :
ويلك أين تذهب إلى الهلكة ، ارجع عودك على بدئك ، وناداه الذي عبر : هلم إلى النجاة ، فجعل ينظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة ، قال : فجاءه سيل فأغرقه ، فالذي عبر هو المؤمن ، والذي غرق المنافق
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ
والذي مكث الكافر .
وقال ابن جرير « 1 » : حدثنا بشر ، حدثنا يزيد ، حدثنا شعبة « 2 » عن قتادة
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ
يقول : ليسوا بمؤمنين مخلصين ، ولا مشركين مصرحين بالشرك ، قال : وذكر لنا أن نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يضرب مثلا للمؤمن وللمنافق وللكافر كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر فوقع المؤمن فقطع ، ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ، ناداه الكافر ، أن هلم إلي فإني أخشى عليك ، وناداه المؤمن : أن هلم إلي فإن عندي وعندي يحصي له ما عنده ، فما زال المنافق يتردد بينهما حتى أتى عليه آذيّ « 3 » فغرقه ، وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك ، قال : وذكر لنا أن نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول : « مثل المنافق كمثل ثاغية بين غنمين ، رأت غنما على نشز فأتتها وشامتها فلم تعرف ، ثم رأت غنما على نشز فأتتها فشامتها فلم تعرف » .
ولهذا قال تعالى :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
أي ومن صرفه عن طريق الهدى
فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً
[ الكهف : 17 ] ، ولا منقذ لهم مما هم فيه ، فإنه تعالى لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 144 إلى 147 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ( 144 ) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ( 145 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ( 146 ) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً ( 147 )
ينهى اللّه تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ، ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم ، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم ، كما قال تعالى :
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
[ آل عمران : 28 ] أي يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه ، ولهذا قال هاهنا :
أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً
أي حجة عليكم
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 4 / 334 .
( 2 ) في الطبري : « حدثنا سعيد عن قتادة » .
( 3 ) الآذيّ : الموج الشديد .