تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
[ محمد : 24 ] ، ثم قال :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ
أي لو كان مفتعلا مختلقا ، كما يقوله من يقول من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم لوجدوا فيه اختلافا ، أي اضطرابا وتضادا كثيرا ، أي وهذا سالم من الاختلاف ، فهو من عند اللّه ، كما قال تعالى مخبرا عن الراسخين في العلم حيث قالوا
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
[ آل عمران : 7 ] أي محكمه ومتشابهه حق ، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا ، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا ، ولهذا مدح تعالى الراسخين وذم الزائغين . قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا أنس بن عياض ، حدثنا أبو حازم ، حدثنا عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم ، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على باب من أبوابه ، فكرهنا أن نفرق بينهم ، فجلسنا حجرة « 2 » إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مغضبا حتى احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول : « مهلا يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم ، باختلافهم على أنبيائهم ، وضربهم الكتب بعضها ببعض ، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا ، إنما نزل يصدق بعضه بعضا ، فما عرفتم منه فاعملوا به ، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه » وهكذا رواه « 3 » أيضا عن أبي معاوية ، عن داود بن أبي هند ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يوم والناس يتكلمون في القدر ، فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب ، فقال لهم : « مالكم تضربون كتاب اللّه بعضه ببعض ، بهذا هلك من كان قبلكم » قال : فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم أشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده ، ورواه ابن ماجة من حديث داود بن أبي هند به نحوه . وقال أحمد « 4 » : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا حماد بن زيد عن أبي عمران الجوني ، قال : كتب إلى عبد اللّه بن رباح يحدث عن عبد اللّه بن عمرو ، قال : هجرت « 5 » إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوما ، فإنا لجلوس إذا اختلف اثنان في آية ، فارتفعت أصواتهما ، فقال : « إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب » . ورواه مسلم والنسائي من حديث حماد بن زيد به . وقوله :
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ
[ النساء : 83 ] إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها ، وقد لا يكون لها صحة . وقد قال
هامش
( 1 ) مسند أحمد 2 / 181 . ( 2 ) أي منفردين . ( 3 ) مسند أحمد 2 / 178 . ( 4 ) مسند أحمد 2 / 192 . ( 5 ) هجرت : بادرت فذهبت مبكرا .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 322 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين