تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة وعلي بن زنجة ، قالا : حدثنا علي بن الحسن عن الحسين بن واقد ، عن عمرو بن دينار ، وعن عكرمة ، عن ابن عباس : أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة ، فقالوا : يا نبي اللّه ، كنا في عزة ونحن مشركون ، فلما آمنا صرنا أذلة ، قال : « إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم » ، فلما حوله اللّه إلى المدينة ، أمره بالقتال فكفوا فأنزل اللّه
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ
الآية ، ورواه النسائي والحاكم وابن مردويه من حديث علي بن الحسن بن شقيق به . وقال أسباط ، عن السدي : لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة ، فسألوا اللّه أن يفرض عليهم القتال ، فلما فرض عليهم القتال
إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
وهو الموت . قال اللّه تعالى :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى
. وقال مجاهد : إن هذه الآية نزلت في اليهود ، رواه ابن جرير « 1 » . وقوله :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى
أي آخرة المتقي خير من دنياه .
وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
أي من أعمالكم بل توفونها أتم الجزاء ، وهذه تسلية لهم عن الدنيا وترغيب لهم في الآخرة وتحريض لهم على الجهاد . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا حماد بن زيد عن هشام ، قال : قرأ الحسن
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
قال : رحم اللّه عبدا صحبها على حسب ذلك ، وما الدنيا كلها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه . وقال ابن معين كان أبو مسهر ينشد : [ الطويل ]
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له * من اللّه في دار المقام نصيب فإن تعجب الدنيا رجالا فإنها * متاع قليل والزوال قريب
وقوله تعالى :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
أي أنتم صائرون إلى الموت لا محالة ولا ينجو منه أحد منكم ، كما قال تعالى :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
[ الرحمن : 26 ] ، وقال تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ *
[ آل عمران : 185 ] ، وقال تعالى :
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
[ الأنبياء : 34 ] والمقصود أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة ، ولا ينجيه من ذلك شيء سواء جاهد أو لم يجاهد ، فإن له أجلا محتوما ، ومقاما مقسوما ، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه : لقد شهدت كذا وكذا موقفا ، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية ، وها أنا أموت على فراشي ، فلا
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 4 / 174 .