تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
علي : اجلدوهن ، ثم قال ابن أبي حاتم : وهو حديث منكر « 1 » . ( قلت ) وفي إسناده ضعف ، وفيه من لم يسم ، ومثله لا تقوم به حجة . وقال القاسم وسالم : إحصانها إسلامها وعفافها . وقيل : المراد به هاهنا التزويج ، وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم . ونقله أبو علي الطبري في كتابه الإيضاح عن الشافعي ، فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه . وقد روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد أنه قال : إحصان الأمة أن ينكحها الحر ، وإحصان العبد أن ينكح الحرة ، وكذا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ، رواهما ابن جرير « 2 » في تفسيره . وذكره ابن أبي حاتم عن الشعبي والنخعي . وقيل : معنى القراءتين متباين . فمن قرأ : أحصن بضم الهمزة فمراده التزويج ، ومن قرأ بفتحها فمراده الإسلام . اختاره أبو جعفر بن جرير « 3 » في تفسيره وقرره ونصره ، والأظهر - واللّه أعلم - أن المراد بالإحصان هاهنا التزويج ، لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه وتعالى :
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ
واللّه أعلم . والآية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات فتعين أن المراد بقوله :
فَإِذا أُحْصِنَّ
أي تزوجن ، كما فسره ابن عباس ومن تبعه ، وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور ، وذلك أنهم يقولون : إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة ، سواء كانت مسلمة أو كافرة ، مزوجة أو بكرا ، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لاحد على غير المحصنة ممن زنى من الإماء . وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك ، فأما الجمهور فقالوا : لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم . وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء ، فقدمناها على مفهوم الآية . فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن علي رضي اللّه عنه أنه خطب فقال : يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن ، فإن أمة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم زنت ، فأمرني أن أجلدها ، فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن أقتلها ، فذكرت ذلك لنبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « أحسنت اتركها حتى تماثل » « 4 » ، وعند عبد اللّه بن أحمد عن غير أبيه « فإذا تعالت « 5 » من نفسها حدّها خمسين » وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها ، فليجلدها الحد ، ولا يثرب عليها ، ثم إن زنت الثانية ، فليجلدها الحد ، ولا يثرب عليها ، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو
هامش
( 1 ) انظر الدر المنثور 2 / 254 . ( 2 ) تفسير الطبري 4 / 26 . ( 3 ) تفسير الطبري 4 / 26 . ( 4 ) صحيح مسلم ( حدود حديث 34 ) ( 5 ) تعالت المرأة : طهرت .