تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤

الليلة الثالثة

قال لي ليلة أخرى : حدّثني أبو الوفاء عنك حديث الخراسانيّ ، فأريد أن أسمعه منك . قلت : كنت قائما عشية على زنبرية « 1 » الجسر في الجانب الشرقي والحاجّ يدخلون ، وجمالهم قد سدت عرض الجسر - أنتظر جوازها وخفّة الطريق منها ، فرأيت شيخا من أهل خراسان ذكر لي أنّه من أهل سنجان واقفا خلف الجمال يسوقها ، ويحفظ الرحال الّتي عليها ، حتى نظر إلى الجانب الغربي فرأى الجذع عليه ابن بقيّة - وكان وزيرا صلبه الملك لذنوب كانت له - فقال : لا إله إلا اللّه ، ما أعجب أمور الدنيا وما أقلّ المفكّر في عبرها وغيرها ، عضد الدولة تحت الأرض وعدوّه فوق الأرض ! قال : هكذا حدّثني أبو الوفاء ، ولذلك استأذنت في دفنه ، وكان كلام الشيخ سببا في ذلك . قال : بلغني أن أبا سليمان يزور في أيام الجمعة رسل سجستان لمّا « 2 » ويظلّ عندهم طاعما ناعما ، ويأنس بأنك معه ، فمن يحضر ذلك المكان ؟ فقلت : جماعة ، وآخر من كان في هذا الأسبوع الماضي ابن جبلة الكاتب ، وابن برمويه ، وابن الناظر أبو منصور وأخوه ، وأبو سليمان وبندار المغنّي وغزال الراقص ، وعلم وراء الستارة . فقال : ما الذي حفظت من حديث عنهم ، وما يجوز أن يلقى إلينا منهم ؟ فقلت : سمعت أشياء ، ولست أحبّ أن أسم نفسي بنقل الحديث وإعادة الأحوال فأكون غامزا وساعيا ومفسدا . قال : معاذ اللّه من هذا ، إنّما تدلّ على رشد وخير ، وتضلّ عن غيّ وسوء ، وهذا يلزم كلّ من آثر الصلاح الخاصّ والعامّ لنفسه وللناس ، واعتقد الشفقة ، وحثّ على قبول النصيحة ، والنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قد سمع مثل هذا وسأل عنه ، وكذلك الخلفاء بعده ، وكلّ أحد محتاج إلى معرفة الأحوال إذا رجع إلى مرتبة عالية أو محطوطة . فقلت : وجدت ابن برمويه : يذكر أشياء هي متعلّقة بجانبك ، ويرى أنها لو لم تكن
هامش
( 1 ) السفينة التي في الجانب الشرقي من بغداد يعبر عليها السالكون . ( 2 ) جمعا ، أي يزورهم مجتمعين .