تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
والصاغانيّ ، وكذلك غيرهم أعني ابن عبدان وابن يعقوب وابن لالا وابن بكش وابن قوسين والحرّانيّ ، لأن هؤلاء ليسوا يحرثون هذه الأرض ، ولا يرقمون هذا البزّ ولا يجهّزون هذا المتاع ولا يتعاملون به ، هذا ينظر في المرض والصحة والداء والدواء ، وهذا يعتبر الشمس والقمر ، وليس فيهم من يذكر كلمة في النفس والعقل والإله ، حتى كأنّه محظور عليهم ، أو قبيح عندهم . وقلت : إنّ هؤلاء القوم - أعني الطائفة الأولى - متفقون في الاعتراف بأنها جوهر باق خالد ، فأما اليقين فما الحكم به لهم ، لأنهم لو كانوا على ذلك - أعني واجدين لليقين ذائقين لحلاوته - لما كدحوا للدنيا التي تزول عنهم ويزولون عنها مضطرّين ، فلو أنهم كانوا على ثلج من النفس ، ويقظة من العقل ، واستبصار من القلب ، وسكون من البرهان ، لما تعجّلوا هذه اللّذّات المنقوصة ، والأوطار الفاضحة ، والشهوات الخسيسة ، مع التّبعات الكثيرة والأوزار الثقيلة ، ولا عجب فإنه إذا كانت الرّكاكة العائقة تمنع الإنسان من العدو والسّفر ، ومن سرعة الخطو ، لأن الحركة قد بطلت بالرّكاكة الداخلة عليه في أعضائه وآلاته ، فأيّ عجب من أن تكون النفس التي استعبدتها الشهوات الغالبة ، والعقيدة الرديئة ، والأفعال القبيحة معوقة ممنوعة من الصعود إلى معانق الفلك ومخارف النجوم وعالم الرّوح ومقعد الصدق ومقام الأمن ومحلّ الكرامة ومراد الخلد وبلد الأبد ومعان السرمد . قال : هذا كلام تامّ ، وسأسألك بعد هذا عن النفس وما تحفظ عنهم فيها لكن تمّم لي ما كنّا فيه ، كيف علم أبي سليمان بالنّجوم وأحكامها ؟ قلت : لا يتجاوز التقويم . ثم قال : فما تقول في الأحكام ؟ قلت : أنشدت منذ أيّام :
علم النجوم على العقول وبال * وطلاب حقّ لا ينال محال
وقلت أيضا : علم الأحكام لا يجوز في الحكمة أن يكون مدركا مكشوفا مخاطبا به معروفا ، ولا يجوز أن يكون مقنوطا منه مطّرحا مجهولا ، بل الحكمة توجب أن يتوسّط هذا الفنّ بين الإصابة والخطأ حتّى لا يستغنى عن اللّياذ باللّه أبدا ، ولا يقع اليأس من قبله أبدا ، وعلى هذا سخّر اللّه الإنسان وقيّضه وخيّره بين الأمور وفوّضه ، ومنع من الثقة والطمأنينة إلا في معرفته وتوحيده وتقديسه وتمجيده ، والرجوع إليه ، انظر إلى حديث الطب فإنّ هذه الصناعة توسّطت الصواب والخطأ ، لتكون الحكمة سارية فيها ، واللطف معهودا بها ، لأن الطب كما يبرأ به العليل ، قد يهلك معه العليل ، فليس بسبب أن بعض المدبّرين بالطب هلك لا ينبغي أن ينظر في الطب ، وليس بسبب أن بعض المرضى برأ بالطب وجب أن يعوّل عليه ، انظر إلى هذا التوسط في هذه الحال ليكون التدبير الإلهيّ والأمر الرّبوبيّ نافذين في هذه الخلائق بوساطة ما