تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
وأما ابن زرعة فهو حسن الترجمة ، صحيح النقل ، كثير الرجوع إلى الكتب ، محمود النقل إلى العربيّة ، جيّد الوفاء بكلّ ما جلّ من الفلسفة ، ليس له في دقيقها منفذ ، ولا له من لغزها مأخذ ، ولولا توزّع فكره في التجارة ، ومحبّته في الربح ، وحرصه على الجمع ، وشدّته على المنع ، لكانت قريحته تستجيب له ، وغائمته تدرّ عليه ، ولكنّه مبدّد مندّد ، وحبّ الدنيا يعمي ويصمّ . وأمّا ابن الخمار ففصيح ، سبط الكلام ، مديد النّفس ، طويل العنان مرضيّ النقل ، كثير التدقيق ، لكنه يخلط الدّرّة بالبعرة ويفسد السمين بالغثّ ، ويرقع الجديد بالرّثّ ، ويشين جميع ذلك بالزّهو والصّلف ويزيد في الرقم والسّوم ، فما يجديه من الفضل يرتجعه بالنقص ، وما يعطيه باللّطف يستردّه بالعنف ، وما يصفيه بالصواب ، يكدّره بالإعجاب . ومع هذا يصرع في كل شهر مرّة أو مرّتين . وأمّا ابن السمح ، فلا ينزل بفنائهم ، ولا يسقى من إنائهم ، لأنه دونهم في الحفظ والنقل والنظر والجدل ، وهو بالمتّبع أشبه ، وإلى طريقة الدعيّ أقرب ، والذي يحطّه عن مراتبهم شيئان : أحدهما بلادة فهمه ، والآخر حرصه على كسبه ، فهو مستفرغ محّ « 1 » البال مأسور العقل ، يأخذ الدانق والقيراط والحبّة والطّسّوج والفلس بالصرف والوزن والتطفيف ، والقلب متى لم ينقّ من دنس الدنيا لم يعبق بفوائح الحكمة ، ولم يتضرّج بردع الفلسفة ، ولم يقبل شعاع الأخلاق الطاهرة المفضية إلى سعادة الآخرة . وأما القومسيّ أبو بكر ، فهو رجل حسن البلاغة ، حلو الكناية ، كثير الفقر العجيبة ، جمّاعة للكتب الغريبة ، محمود العناية في التصحيح والإصلاح والقراءة ، كثير التردّد في الدراسة ، إلّا أنّه غير نصيح في الحكمة ، لأنّ قريحته ترابيّة ، وفكرته سحابيّة ، فهو كالمقلّد بين المحققين ، والتابع للمتقدّمين ، مع حبّ للدنيا شديد ، وحسد لأهل الفضل عتيد . وأما مسكويه ، ففقير بين أغنياء ، وعييّ بين أبيناء ، لأنّه شاد ، وأنا أعطيته في هذه الأيّام ( صفو الشرح لإيساغوجي ) وقاطيغورياس ، من تصنيف صديقنا بالرّيّ . قال : ومن هو ؟ قلت : أبو القاسم الكاتب غلام أبي الحسن العامريّ ، وصحّحه معي ، وهو الآن لائذ بابن الخمار ، وربما شاهد أبا سليمان وليس له فراغ ، ولكنه محسّ في هذا الوقت للحسرة التي لحقته فيما فاته من قبل . فقال : يا عجبا لرجل صحب ابن العميد أبا الفضل ورأى من كان عنده وهذا حظّه ! قلت : قد كان هذا ، ولكنّه كان مشغولا بطلب الكيمياء مع أبي الطيّب الكيمائيّ الرازيّ ، مملوك الهمّة في طلبه والحرص على إصابته مفتونا بكتب أبي زكرياء ،
هامش
( 1 ) خالص .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 50 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي