تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
بالتعريف ، حتى أجمع على هواه قاصيها ودانيها ، وجرى على مراده خافيها وباديها ، واستجاب لأمره أبيّها ومنقادها ، وأتلف بلفظه نادرها ومعتادها ، فلمّا تيقّنت ذلك كلّه وقتلته خبرا ، أمسكت عن إذكاره - نفّس اللّه مدّته - سالف عهده ، ومتقدّم وعده ، عالما بأنّ أسرّهما مرعيّ عنده في صدر الكرم ، ومكتوب لديه في صحيفة المجد ، وثابت قبله في ديوان الحسنى . ولكن كان ذلك الامتنان على رغم منّي ، لأني قتلت في أثنائه بين جنبيّ قلبا مغرور الرّجاء ، ومنزور العزاء ، على عوارض لم تسنح في خلدي ، ولم أعقد على شيء منها يدي . فالحمد للّه الذي جعل معاذي إلى الوزير الكريم ، البرّ الرّحيم ، والمنّة للّه الذي جعلني من عفاة جوده ، وناشئة عرفه ، ووارد عدّه ، وقادحي زنده ، ومقتبسي نوره ، ومصطلي ناره ، وحاملي نعمته ، وطالبي خدمته ، وجعل خاصّتي وخالصتي من بينهم راوية مناقبه باللّسان الأبين ، ونشر فضائله بالثّناء الأحسن ، وذكر آلائه باللّفظ الأفصح ، والاحتياج لسداد آرائه بالمعنى الأوضح ، فلا زال الوزير - وزير الممالك - ممدوحا في أطوار الأرض على ألسنة الأدباء والحكماء ، وفي نوادي الرّؤساء والعظماء ، ما آب آئب ، وغاب غائب ، بمنّه ولطفه . قد ناديت الوزير حيّا سامعا ، وخيرا جامعا ، وهززت منه صارما قاطعا وشهابا ساطعا ، واستسقيت من كرمه سحابا هاطلا ، ونقاخا سائلا ، وأسأله أن يجنّبني مرارة الخيبة ، وحسرة الإخفاق ، وعذاب التّسويف ، فقد تلطّفت بالسّحر الحلال ، والعذب الزّلال ، جهد المقلّ المحتال ، وهو أولى بمجده ، في تدبير عبده ، إن شاء اللّه تعالى . هذا آخر الرّسالة الأولى . وحضر وصولها إليه بهرام - لعنه اللّه - وتكلّم بما يشبه نذالته وخسّته ونتن نيّته ، فما كنت آمنه ، وما أشدّ إشفاقي على هذا الوزير الخطير من شؤم ناصية بهرام ، وغلّ صدره ، وقلّة نصيحته ، ولؤم طبعه ، وخبث أصله ، وسقوط فرعه ، ودمامة منظره ، ولآمة مخبره ، حرس اللّه العباد من شرّه ، وطهّر البلاد من عرّه وضرّه . وأما الرسالة الثانية فهي التي كانت في هذه الأيام بعد استئذاني إيّاه في المخاطبة بالكاف ، حتّى يجري الكلام على سنن الاسترسال ، ولا يعثر في طريق الكتابة بما يزاحم عليه من اللّفظ واللّفظ ، وهي : بسم اللّه الرحمن الرحيم . أيّها الوزير ، جعل اللّه أقدار دهرك جارية على تحكّم آمالك ، ووصل توفيقه بمبالغ مرادك في أقوالك وأفعالك ، ومكّنك من نواصي أعدائك ، وثبّت أواخي دولتك على ما في نفوس أوليائك .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 405 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي