تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
في هذا الفنّ ، والباحث عن هذا المستكنّ ، أنه حالم ، وأنّ الحلم لا ثمرة له ، ولا جدوى منه . وهذا كلّه هكذا ما دام مقيسا إلى الأمور القائمة بشهادة الإحساس ، فأمّا إذا صفا الناظر - أعني ناظر العقل - من قذى الحسّ ، فإنّ المطلوب يكون حاضرا أكثر ممّا يكون غيره ظاهرا مستبانا ، وليست شهادة العبد كشهادة المولى ، ولا نور السّهى كنور القمر . قال : أنشدني أبياتا غريبة جزلة . فأنشدت لهدبة العذريّ :
سآوي إلى خير فقد فاتني الصّبا * وصيح بريعان الشّباب فنفّرا أمور وألوان وحال تقلّبت * بنا وزمان عرفه قد تنكّرا أصبنا بما لو أنّ سلمى أصابه * تسهّل من أركانه ما توعّرا وإن ننج من أهوال ما خاف قومنا * علينا فإنّ اللّه ما شاء يسّرا وإن غالنا دهر فقد غال قبلنا * ملوك بني نصر وكسرى وقيصرا وذي نيرب قد عابني لينالني * فأعيا مداه عن مداي فأقصرا فإن يك دهر نالني فأصابني * بريب فما تشوي الحوادث معشرا فلست إذا الضّرّاء نابت بجبّإ * ولا جزع إن كان دهر تغيّرا
فقيل : ما الجبّأ ؟ فقال : الجبان . قال أبو سعيد : حكى العلماء أنّ فلانا جبّأ ، إذا نكل . فقال : ما أمتن هذا الكلام ، وألطف هذا الجدد ! وما أبعده من تلفيق الضّرورة ، وهجنة التكلّف ، لولا أنّ سامعه ربّما تطيّر به ، وانكسر عليه . فكان الجواب : قد مرّ في الفأل والزّجر والطّيرة والاعتياف ما إذا تحقّق لم يعج على مثل هذا الاستشعار ، ولعمري إنّ المذكور والمسموع إذا كان حسنا وجميلا ومحبوبا ومتمنّى ، كان أخفّ على القلب ، وأخلط بالنّفس ، وأعبث بالرّوح ، وكذلك إذا كان ذلك على الضّدّ ، فإنّه يكون أزوى للوجه ، وأكرب للنّفس ، ولكنّ الأمور في الخيرات والشرور ليست فاشية من الطّيرة والعيافة ، ولا جارية على هذه الحدود المعروفة ، وهي على مقاصدها التي هي غاياتها ، ومتوجّهاتها التي هي نهاياتها ، وإنما هذه الأخلاق عارضة للنّساء وأشباه النساء ، ومن بنينه ضعيفة ، ومادّته من العقل طفيفة ، وعادته الجارية سخيفة ، وإلّا فبأيّ برهان صحّ أنّ الكلام الطّيّب يجلب المحبوب ويكون علّة له ؟ ! وأنّ اللّفظ الخبيث يجلب المكروه ويكون علّة له ؟ ! هذا خور في طباع قائله ، وتأنّث في عنصر مستشعره ، ولو سلك العلماء والبصراء هذا الطّريق في كلّ حال وفي كلّ أمر لأدّى ذلك إلى فساد عامّ ، وآثر ما في هذه القصّة أنّ