تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
يجب على كلّ من آتاه اللّه رأيا ثاقبا ، ونصحا حاضرا ، وتنبّها نافعا ، أن يخدمك متحرّيا لرسوخ دعائم المملكة بسياستك وريادتك ، قاضيا بذلك حقّ اللّه عليه في تقويتك وحياطتك . وإني أرى على بابك جماعة ليس بالكثيرة - ولعلّها دون العشرة - يؤثرون لقاءك والوصول إليك لما تجنّ صدورهم من النصائح النافعة ، والبلاغات المجدية ، والدّلالات المفيدة ، ويرون أنّهم إذا أهلّوا لذلك فقد قضوا حقّك ، وأدّوا ما وجب عليهم من حرمتك ، وبلغوا بذلك مرادهم من تفضّلك واصطناعك ، وتقديمك وتكريمك ، والحجاب قد حال بينهم وبينك ، ولكلّ منهم وسيلة شافعة ، وخدمة للخيرات جامعة ، منهم - وهو أهل الوفاء - ذوو كفاية وأمانة ، ونباهة ولباقة ، ومنهم من يصلح للعمل الجليل ، ولرتق الفتق العظيم ، ومنهم من يمتع إذا نادم ، ويشكر إذا اصطنع ، ويبذل المجهود إذا رفع ، ومنهم من ينظم الدّرّ إذا مدح ، ويضحك الثّغر إذا مزح ، ومنهم من قعد به الدّهر لسنّه العالية ، وجلابيبه البالية ، فهو موضع الأجر المذخور ، وناطق بالشّكر المنظوم والمنثور ، ومنهم طائفة أخرى قد عكفوا في بيوتهم على ما يعنيهم من أحوال أنفسهم ، في تزجية عيشهم ، وعمارة آخرتهم ، وهم مع ذلك من وراء خصاصة مرّة ، ومؤن غليظة ، وحاجات متوالية ، ولهم العلم والحكمة والبيان والتّجربة ، ولو وثقوا بأنّهم إذا عرضوا أنفسهم عليك ، وجهّزوا ما معهم من الأدب والفضل إليك حظوا منك ، واعتزّوا بك ، لحضروا بابك ، وجشموا المشقّة إليك ، لكنّ اليأس قد غلب عليهم ، وضعفت منّتهم ، وعكس أملهم ، ورأوا أنّ سفّ التراب ، أخفّ من الوقوف على الأبواب ، إذا دنوا منها دفعوا عنها ، فلو لحظت هؤلاء كلّهم بفضلك ، وأدنيتهم بسعة ذرعك وكرم خيمك ، وأصغيت إلى مقالتهم بسمعك ، وقابلتهم بملء عينك ، كان في ذلك بقاء للنّعمة عليك ، وصيت فاش بذكرك ، وثواب مؤجّل في صحيفتك ، وثناء معجّل عند قريبك وبعيدك ، والأيام معروفة بالتقلّب ، واللّيالي ماخضة بما يتعجّب منه ذو اللّبّ ، والمجدود من جدّ في جدّه ، أعني من كان جدّه في الدّنيا موصولا بحظّه من الآخرة ، ولأن يوكل العاقل بالاعتبار بغيره ، خير من أن يوكل غيره بالاعتبار به . أيّها الوزير ، اصطناع الرّجال صناعة قائمة برأسها ، قلّ من يفي بربّها « 1 » ، أو يتأتّى لها ، أو يعرف حلاوتها ، وهي غير الكتابة التي تتعلّق بالبلاغة والحساب . وسمعت ابن سورين يقول : آخر من شاهدنا ممّن عرف الاصطناع ، واستحلى الصّنائع ، وارتاح للذّكر الطّيّب ، واهتزّ للمديح ، وطرب على نغمة السائل ، واغتنم خلّة المحتاج ، وانتهب الكرم انتهابا ، والتهب في عشق الثّناء التهابا ، أبو محمد
هامش
( 1 ) يقال : رب الصنيعة يربها - بضم الراء - إذا نماها وتعهدها .