تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
غيرهم ، ولم أجد إلى تصديق كلّهم سبيلا . وكان تصديق الفرقة الواحدة دون ما سواها جورا ، لأنّ الفرق متساوية في الدّعوى والحجّة والذّبّ والنّصرة . فقيل له : فلم تدين بدينك هذا الذي أنت على شعاره وحليته ، وهديه وهيئته ؟ فقال : لأنّ له حرمة ليست لغيره ، وذاك أنّي ولدت فيه ، ونشأت عليه ، وتشرّبت حلاوته ، وألفت عادة أهله ، فكان مثلي كمثل رجل دخل خانا يستظلّ فيه ساعة من نهار والسّماء مصحية ، فأدخله صاحب الخان بيتا من البيوت من غير تخبّر ولا معرفة بصلاحه ، فبينا هو كذلك إذ نشأت سحابة فمطرت جودا ، ووكف البيت ، فنظر إلى البيوت التي في الفندق فرآها أيضا تكف ، ورأى في صحن الدّار ردغة ، ففكّر أن يقيم مكانه ولا ينتقل إلى بيت آخر ويربح الرّاحة ، ولا يلطّخ رجليه بالرّدغة والوحل اللّذين في الصّحن ، ومال إلى الصّبر في بيته ، والمقام على ما هو عليه ، وكان هذا مثلي ، ولدت ولا عقل لي ، ثم أدخلني أبواي في هذا الدّين من غير خبرة منّي ، فلمّا فتّشت عنه رأيت سبيله سبيل غيره ، ورأيتني في صبري عليه أعزّ منّي في تركه ، إذ كنت لا أدعه وأميل إلى غيره إلّا باختيار منّي لذلك ، وأثرة له عليه ، ولست أجد له حجّة إلّا وأجد لغيره عليه مثلها . وحكى لنا ابن البقّال - وكان من دهاة الناس - قال : قال ابن الهيثم : جمع بيني وبين عثمان بن خالد ، فقال لي : أحبّ أن أناظرك في الإمامة ، فقلت : إنّك لا تناظرني ، وإنّما تشير عليّ ، فقال : ما أفعل ذلك ، ولا هذا موضع مشورة ، وإنما اجتمعنا للمناظرة ، فقلت له : فإنّا قد أجمعنا على أنّ أولى الناس بالإمامة أفضلهم ، وقد سبقنا القوم الذين يتنازع في فضلهم ، وإنما يعرف فضلهم بالنّقل والخبر ، فإن أحببت سلّمت لك ما ترويه أنت وأهل مذهبك في صاحبك ، وتسلّم لي ما أرويه أنا وفرقتي في صاحبي ، ثم أناظرك في أيّ الفضائل أعلى وأشرف ، قال : لا أريد هذا ، وذاك أني أروي مع أصحابي أنّ صاحبي رجل من المسلمين يصيب ويخطئ ، ويعلم ويجهل ، وأنت تقول في صاحبك : إنّه معصوم من الخطأ ، عالم بما يحتاج إليه . فكيف أرضى هذه الجملة ؟ قلت : فأقبل كلّ شيء ترويه أنت وأصحابك في صاحبي من حمد أو ذمّ ، وتقبل أنت كلّ شيء أرويه أنا وأصحابي في صاحبك من حمد أو ذمّ ، قال : هذا أقبح من الأوّل ، وذلك أني وأصحابي نروي أنّ صاحبك مؤمن خيّر فاضل ، وأنت وأصحابك تروون أنّ صاحبي كافر منافق ، فكيف أقبل هذا منك وأناظرك عليه ؟ قال ابن الهيثم : فلم يبق إلّا أن أقول : دع قولك وقول أصحابك ، واقبل قولي وقول أصحابي ، قال : ما هو إلّا ذاك ، قلت : هذه مشورة ، وليست مناظرة . قال : صدقت .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 397 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي