تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
ثم حدّث فقال : اجتمع رجلان : أحدهما يقول بقول هشام ، والآخر يقول بقول الجواليقيّ ، فقال صاحب الجواليقيّ لصاحب هشام : صف لي ربّك الّذي تعبده ، فوصفه بأنه لا يد له ولا جارحة ولا آلة ولا لسان ، فقال الجواليقيّ : أيسرّك أن يكون لك ولد بهذا الوصف ! قال : لا ، قال : أما تستحي أن تصف ربّك بصفة لا ترضاها لولدك ! فقال صاحب هشام : إنّك قد سمعت ما نقول ، صف لي أنت ربّك . فقال : إنه جعد قطط في أتمّ القامات وأحسن الصّور والقوام . فقال صاحب هشام : أيسرّك أن تكون لك جارية بهذه الصّفة تطؤها ؟ ! قال : نعم ، قال : أفما تستحي من عبادة من تحبّ مباضعة مثله ! ! وذلك لأنّ من أحبّ مباضعته فقد أوقع الشّهوة عليه . فقال : هذا من شؤم الكلام ونكد الجدل ، فلو كان هناك دين لكان لا يدور هذا في وهم ولا ينطق به لسان . وحكى أيضا قال : ابتلي غلام أعجميّ بوجع شيد ، فجعل يتأوّه ويتلوّى ويصيح . فقال له أبوه : يا بنيّ اصبر واحمد اللّه تعالى فقال : ولما ذا أحمده ! قال : لأنّه ابتلاك بهذا ، فاشتدّ وجع الغلام ورفع صوته بالتأوّه أشدّ ممّا كان ، فقال له أبوه : ولم جزعك ! فقال : كنت أظنّ أنّ غير اللّه ابتلاني بهذا فكنت أرجوه أن يعافيني من هذا البلاء ويصرفه عنّي ، فأمّا إذ كان هو الّذي ابتلاني به فمن أرجو أن يعافيني ! فالآن اشتدّ جزعي ، وعظمت مصيبتي . قال : ولو علم أنّ الّذي ابتلاه هو الذي استصلحه بالبلاء ليكون إذا وهب له العافية شاكرا له عليها بحسّ صحيح وعلم تامّ ، لكان لا يرى ما قاله وتوهّمه لازما . وحكى أيضا أنّ رجلا من العجم حجّ وتعلّق بأستار الكعبة فطفق يدعو ويقول : يا من خلق السّباع الضارية ، والهوامّ العادية ، وسلّطها على الناس ، وضربهم بالزّمانة والعمى والفقر والحاجة ، فوثب الناس عليه وسبّوه وزجروه وقالوا : ادع اللّه بأسمائه الحسنى . فأظهر لهم النّدامة ، والتّقارف فخلّوا عنه بعد ما أرادوا الوقيعة به ، فرجع وتعلّق بأستار الكعبة ، وجعل ينادي : يا من لم يخلق السّباع الضّارية ، ولا الهوامّ ، ولا سلّطها على النّاس ، ولم يضرب الناس بالأوجاع والأسقام . فوثبوا عليه أيضا وقالوا له : لا تقل هذا فإنّ اللّه خالق كلّ شيء ، فقال : ما أدري كيف أعمل ؟ إن قلت : إنّ اللّه خالق هذه الأشياء وثبتم عليّ ، وإن قلت : إنّ اللّه لم يخلقها وثبتم عليّ . فقالوا : هذا ينبغي أن تعلمه بقلبك ولا تدع اللّه به . قال أبو سليمان : وهذا أيضا من شؤم الكلام وشبه المتكلّمين الّذين يقولون : لا يجوز أن يعتقد شيء بالتقليد ، ولا بدّ من دليل ، ثم يدلّلون ويختلفون ، ثم يرجعون إلى القول بأنّ الأدلّة متكافئة .