تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
كأن لم نعش يوما بأجراع بيشة * بأرض بها أنشا شبيبتنا الدهر بلى إنّ هذا الدّهر فرّق بيننا * وأيّ جميع لا يفرّقه الدّهر
ولا طرب غلام بابا على جارية أبي طلحة الشاهد في سوق العطش إذا غنّت :
ليت شعري بك هل تع * لم أنّي لك عاني فلقد أسررته من * ك وأطلعت الأماني وتوهّمتك في نف * سي فناجاك لساني فاجتمعنا وافترقنا * بالأماني في مكان
ولو ذكرت هذه الأطراب من المستمعين ، والأغانيّ من الرّجال والصّبيان والجواري والحرائر - لطال وأملّ ، وزاحمت كلّ من صنّف كتابا في الأغاني والألحان ، وعهدي بهذا الحديث سنة ستّين وثلاثمائة . وقد أحصينا - ونحن جماعة في الكرخ - أربعمائة وستّين جارية في الجانبين ، ومائة وعشرين حرّة ، وخمسة وتسعين من الصّبيان البدور ، يجمعون بين الحذق والحسن والظّرف والعشرة ، هذا سوى من كنّا لا نظفر به ولا نصل إليه لعزّته وحرسه ورقبائه ، وسوى ما كنّا نسمعه ممّن لا يتظاهر بالغناء وبالضّرب إلا إذا نشط في وقت ، أو ثمل في حال ، وخلع العذار في هوى قد حالفه وأضناه ، وترنّم وأوقع ، وهزّ رأسه ، وصعّد أنفاسه ، وأطرب جلّاسه ، واستكتمهم حاله ، وكشف عندهم حجابه ، وادّعى الثّقة بهم ، والاستنامة إلى حفاظهم . ثم إني أرجع إلى منقطع الكلام في الصّفحة الأولى من هذا الجزء الثالث وأصله بالدّعاء الذي أسأل اللّه أن يقبله فيك ، ويحقّقه لك وبك ، وأقول : وأبقاك لي خاصّة ، فقد تعصّبت لي غائبا وشاهدا ، وتعمّمت بسببي سرّا وجهرا ، وبدأت بالتّفضّل ، وعدت بالإفضال ، وتظاهرت بالفضل ، فإن استزدتك فللنّهم الذي قلّما يخلو منه بشر ، وإن تظلّمت فللدّالّة التي تغلط بها الخدم ، وإن خاشنت فللثّقة بحسن الإجاب ، وإن غالظت فلعلمي بغالب الحلم وفرط الاحتمال ، وما افترق الكرم والتّغافل قطّ ، وما افترق المجد والكيس قطّ ، وليس إلّا أن يظلم السّيّد نفسه لعبده في الحقوق اللّازمة وغير اللّازمة ، ويعرض عن الحجّة وإن كانت له ، والناس يقولون : الحقّ مرّ ، وأنا أقول : السؤدد مرّ ، والرّئاسة ثقيلة ، والنّزول تحت الغبن شديد ، لكنّ ذلك كلّه منبت العزّ ، ودليل على صحّة الأصل ، وباب إلى اكتساب الحمد ، وإشادة الذّكر ، وإبعاد الصّيت ، ومكرم النّفس بإهانة المال وبذل الجاه وإيثار التّواضع أربح تجارة ، وأحمى حريما ، وأعزّ ناصرا من مهين النّفس بصيانة المال وحبس الجاه واستعمال التكبّر ، هذا