تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
وما أحسن ما قال من قال :
ما العيش إلا في جنون الصّبى * فإن تولّى فجنون المدام
هذا كلّه يمرّ وما هو أشجى منه وأرقّ ، وأعجب وأظرف ، ثم يندفع علوان ويغنّي في أبيات بشّار :
ألا يا قوم خلّوني وشاني * فلست بتارك حبّ الغواني نهوني يا عبيدة عن هواكم * فلم أقبل مقالة من نهاني فإن لم تسعفي فعدي ومنّي * خداعا لا أموت على بيان
ولا طرب أبي سعيد الرّقيّ على غناء مذكورة إذا اندفعت وغنّت :
سررت بهجرك لما علمت * بأنّ لقلبك فيه سرورا ولولا سرورك ما سرّني * ولا كان قلبي عليه صبورا ولكن أرى كلّ ما ساءني * إذا كان يرضيك سهلا يسيرا
ولا طرب ابن ميّاس على غناء حبابة جارية أبي تمّام إذا غنّت :
صددنا كأنّا لا مودّة بيننا * على أنّ طرف العين لا بدّ فاضح ومدّ إلينا الكاشحون عيونهم * فلم يبد منّا ما حوته الجوانح وصافحت من لاقيت في البيت غيرها * وكلّ الهوى منّي لمن لا أصافح
وحبابة هذه كانت تنوح أيضا ، وكانت في النّوح واحدة لا أخت لها ، والناس بالعراق تهالكوا على نوحها ، ولولا أني أكره ذكره لرقعت الحديث به . وقدم من شاش خراسان أبو مسلم - وكان في مرتبة الأمراء - فاشتراها بثلاثين ألف درهم معزّية ، وخرج بها إلى المشرق ، فقيل : إنها لم تعش به إلا دون سنة لكمد لحقها ، وهوى لها ببغداد ماتت منه . ورأيت لها أختا يقال لها صبابة ، وكانت في الحسن والجمال فوقها ، وفي الصّنعة والحذق دونها ، وزلزلت هذه بغداد في وقتها ، ولم يكن للنّاس غير حديثها ، لنوادرها ، وحاضر جوابها ، وحدّة مزاجها ، وسرعة حركتها ، بغير طيش ولا إفراط ، وهذه شمائل إذا اتّفقت في الجواري الصانعات المحسنات خلبن العقول ، وخلسن القلوب ، وسعّرن الصّدور ، وعجلن بعشّاقهنّ إلى القبور . ولا طرب الكنانيّ المقرئ الشيخ الصالح على غناء هذه في صوتها المعروف بها :
عهود الصّبى هاجت لي اليوم لوعة * وذكر سليم حين لا ينفع الذّكر بأرض بها كان الهوى غير عازب * لدينا وغضّ العيش مهتصر نضر