تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
ولا طرب ابن حيّويه على غلام الأمراء إذا غنّى :
قد أشهد الشارب المعذّل لا * معروفه منكر ولا حصر في فتية ليّني المآزر لا * ينسون أخلاقهم إذا سكروا
وغلام الأمراء هو الذي يقول فيه القائل :
أبو العباس قد حجّ * وقد عاد وقد غنّى وقد علّق عنّازا * فهذا هم كما كنّا
وأصحابنا يستملحون قوله ( هم ) هاهنا ، ويرونه من العيّ الفصيح . ولا طرب أبي سليمان المنطقيّ إذا سمع غناء هذا الصّبيّ الموصليّ النابغ الذي قد فتن الناس وملأ الدنيا عيارة وخسارة ، وافتضح به أصحاب النّسك والوقار ، وأصناف الناس من الصّغار والكبار ، بوجهه الحسن ، وثغره المبتسم ، وحديثه الساحر ، وطرفه الفاتر ، وقدّه المديد ، ولفظه الحلو ، ودلّه الخلوب ، وتمنّعه المطمع ، وإطماعه الممنّع وتشكيكه في الوصل والهجر ، وخلطه الإباء بالإجابة ، ووقوفه بين لا ونعم . إن صرّحت له كنى ، وإن كنيت له صرّح ، يسرقك منك ، ويردّك عليك ، يعرفك منكرا لك ، وينكرك عارفا بك ، فحاله حالات ، وهدايته ضلالات ، وهو فتنة الحاضر والبادي ، ومنية السائق والهادي ، في صوته الذي هو من قلائده :
عرفت الذي بي فلا تلحني * فليس أخو الجهل كالعالم وكنت أخوّفه بالدّعا * وأخشى عليه من المآثم فلو كنت أبصرت مثلا له * إذا لمت نفسي مع اللائم فلمّا أقام على ظلمه * تركت الدّعاء على الظالم
ولا طرب أبي عبد اللّه البصريّ على إيقاع ابن العصبيّ إذا أوقع بقضيبه وغنّى بصوته :
أنسيت الوصل إذ بت * نا على مرقد ورد واعتنقنا كوشاح * وانتظمنا نظم عقد وتعطّفنا كغصنى * ن فقدّانا كقدّ
وبسبب هذا ونظائره عابه الواسطيّ ، وقدح في دينه ، وألصق به الرّيبة ، واستحلّ في عرضه الغيبة ، ولقّبه بالمنفّر عن المذهب ، وقاطع الطّريق على المسترشد . ولا طرب ابن الورّاق على روعة جارية ابن الرّضيّ في الرّصافة إذا غنّت :
وحقّ محلّ ذكرك من لساني * وقلبي حين أخلو بالأماني لقد أصبحت أغبط كلّ عين * تعاينها فتسعد بالعيان