تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢

الليلة السابعة والعشرون

وقال - أدام اللّه أيّامه - في ليلة أخرى : كنت أحبّ أن أسمع كلاما في كنه الاتّفاق وحقيقته ، فإنّه مما يحار العقل فيه ، ويزلّ حزم الحازم معه ، وأحبّ أيضا أن أسمع حديثا غريبا فيه ، فكان الجواب : إن الرواية في هذا الباب أكثر وأفشى من الاطلاع على سرّه ، والظفر بمكنونه ، فقال : هات ما يتعلّق بالرواية . قلت : حكى لنا أبو سليمان في هذه الأيام أنّ ثيودسيوس ملك يونان كتب إلى إيبقس الشاعر أن يزوّده بما عنده من كتب فلسفيّة ، فجمع ماله في عيبة ضخمة ، وارتحل قاصدا نحوه ، فلقى في تلك البادية قوما من قطّاع الطريق ، فطعموا في ماله وهمّوا بقتله ، فناشدهم اللّه ألّا يقتلوه وأن يأخذوا ماله ويخلّوه ، فأبوا ، فتحيّر ونظر يمينا وشمالا يلتمس معينا وناصرا فلم يجد ، فرفع رأسه إلى السماء ، ومدّ طرفه في الهواء ، فرأى كراكيّ تطير في الجوّ محلّقة ، فصاح : أيتها الكراكيّ الطائرة ، قد أعجزني المعين والناصر ، فكوني الطالبة بدمي ، والآخذة بثأري . فضحك اللّصوص ، وقال بعضهم لبعض : هذا أنقص الناس عقلا ، ومن لا عقل له لا جناح في قتله ، ثمّ قتلوه وأخذوا ماله واقتسموه وعادوا إلى أماكنهم ، فلمّا اتّصل الحديث بأهل مدينته حزنوا وأعظموا ذلك ، وتبعوا أثر قاتله واجتهدوا فلم يغنوا شيئا ولم يقفوا على شيء ، وحضر اليونانيون وأهل مدينته إلى هيكلهم لقراءة التسابيح والمذاكرة بالحكمة والعظة ، وحضر الناس من كلّ قطر وأوب ، وجاء القتلة واختلطوا بالجمع ، وجلسوا عند بعض أساطين الهيكل ، فهم على ذلك إذ مرّت بهم كراكيّ تتناغى وتصيح ، فرفع اللصوص أعينهم ووجوههم إلى الهواء ينظرون ما فيه فإذا كراكيّ تصيح وتطير ، وتسدّ الجوّ ، فتضاحكوا ، وقال بعضهم لبعض : هؤلاء طالبو دم إيبقس الجاهل - على طريق الاستهزاء - فسمع كلامهم بعض من كان قريبا منهم فأخبر السلطان فأخذهم وشدّد عليهم ، وطالبهم فأقرّوا بقتله ، فقتلهم ، فكانت الكراكيّ المطالبة بدمه ، لو كانوا يعقلون أنّ الطالب لهم بالمرصاد . وقال لنا أبو سليمان : إن إيبقس وإن كان خاطب الكراكيّ فإنّه أشار به إلى ربّ الكراكيّ وخالقها ، ولم يطلّ اللّه دمه ولا سدّ عنه باب إجابته ، فسبحانه كيف يهيّئ الأسباب ، ويفتح الأبواب ، ويرفع الحجاب بعد الحجاب .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 262 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي