تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
بدّ من إطفاء ثائرتها ، وصنائع لا بدّ من تربيتها ، وموضوعات لا بدّ من إشالتها ومرفوعات لا بدّ من إزالتها ، وتدبيرات لا بدّ من إخفائها ، وأحوال لا بدّ من إبدائها ، ومقامات لا بدّ من الصّبر على عوارض ما فيها ، وأمور هي مسطورة في كتب السّياسات للحكماء لا بدّ من عرفانها والعمل بها والمصير إليها ، والزيادة عليها ، فليس الخبر كالعيان ، ولا الشاهد كالغائب ، ولا المظنون كالمستيقن . ثم قال : - أعني أبا سليمان - وهذا كلّه منوط بالتوفيق والتأييد اللّذين إذا نزلا من السّماء واتّصلا بمفرق السائس تضامّت أحواله على الصّلاح ، وانتشرت على النّجاح ، وكفي كثيرا من همومه ، ثم دعا للوزير بالبقاء المديد ، والعيش الرّغيد والجدّ السّعيد ، وأمّن الحاضرون على ذلك ، وكانوا جمّا غفيرا ، لا فائدة في ذكر أسمائهم والإشارة إلى أعيانهم ، وكلّهم لمّا سمعوا هذا الكلام الشريف عجبوا منه ، وعوّذوه وسألوه أن ينظم لهم رسالة في السياسة ، فقال : قد رسمت شيئا منذ زمان ، وقد شاع وفشا ، وكتب وحمل في جملة الهديّة إلى قابوس بجرجان ، فهذا - أيّها الشيخ - نمط أبي سليمان وأنت عنه مشغول ، قد رضيت بترك النّظر في أمره ، وبذل الجاه له فيما عاد بشأنه ، واللّه ما هذا لسوء عهدك فيه ، ولا لحيلولة نيّتك عنه ، ولكن لقلّة حظّه منه وإنحاء الزّمان على كلّ من يجري مجراه ، مع عوز مثله في عصره ، وكيف تتّهم بسوء اعتقاد وقلّة حفاظ ، وتوان عن رعاية عهد ، وقيام بحقّ ، وأنت من فرقك إلى قدمك فضل وخير وجود ومجد وإحسان وكرم ومعونة ورفد وإنعام وتفقّد وتعهّد وبذل وعرف ، ولو كان امرؤ من الذّهب المصفّى لكنته ولو كان أحد من الرّوح الصّرف لكنته ، ولو كان أحد من الضّياء المحيط لكنته ، فسبحان من خلقك صرفا بلا مزاج ، وصفوا بلا كدر ، وواحدا بلا ثان ، لقد فخر بك الشّرق على الغرب ، وسلّم لك بلا خصومة ولا شغب ، فأدام اللّه لك ما آتاك وأفاض عليك من لدنه ما ينوّر مسعاك ، وبلّغك السعادة العظمى في عقباك ، كما بلّغك السعادة الصّغرى في دنياك . أعرض أيّها الشّيخ هذا الحديث على ما ترى ، والكلام ذو جيشان ، والصّدر ذو غليان ، والقلم ذو نفيان ومتدفّقه لا يستطاع ردّه ، ومنبعثه لا يقدر على تسهيله ، وخطبه غريب ، وشأنه عجيب ، وإنما يعرف دقّه وجلّه من يذوق حلوه ومرّه ، ومع هذا كلّه ، فإني أذكّرك أمري لتلحظه بعين الرّعاية ، وأعرض عليك حديثي لتحفظه في صحيفة العناية ، فلقد أمسيت بين صديق يشقّ عليّ حزنه لي ، وبين عدوّ تسوءني شماتته بي ، وقد صحّ عندي أنّ إقبالك عليّ يسر ، كما أنّ إعراضك عنّي عسر ، وأرجع إلى تمام هذين الجزأين وإنه أحرى . وأما حديث الزّهّاد وأصحاب النّسك ، فإنّه كان تقدّم بإفراد جزء فيه ، وقد أثبتّه في هذا الموضع ، ولم أحبّ أن أعزله عن جملته ، فإن فيه تنبيها حسنا ، وإرشادا