تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وإما له نسبة إلى الخاصة من وجه ، وإلى العامّة من وجه ، فهو يتذبذب عليه من الإنكار الجانب للهجر ، والاعتراف الجالب للوصل ، فالقاصّ حينئذ ينظر إلى تفريغ الزمان لمداراة هذه الطوائف ، وحينئذ ينسلخ من مهمّاته النفسيّة ، ولذّاته العقليّة ، وينقطع عن الازدياد من الحكمة بمجالسة أهل الحكمة ، إمّا مقتبسا منهم ، وإمّا قابسا لهم ، وعلى ذلك فما رأيت من انتصب للناس قد ملك إلّا درهما وإلّا دينارا أو ثوبا ، ومناصبة شديدة لمماثليه وعداته . قال : إن الليل قد دنا من فجره ، هات ملحة الوداع . قلت : قال يعقوب صاحب ( إصلاح المنطق ) : دخل أعرابي الحمّام فزلق فانشجّ ، فأنشأ يقول :
وقالوا تطهّر إنّه يوم جمعة * فرحت من الحمّام غير مطهّر تردّيت منه شاريا شجّ مفرقي * بفلسين إنّي بئس ما كان متجري وما يحسن الأعراب في السّوق مشية * فكيف ببيت من رخام ومرمر يقول لي الأنباط إذ أنا نازل * « به لا بظبي بالصّريمة أعفر » « 1 »
وقال - حرس اللّه نفسه - : كنت أروي قافية هذا البيت « أعفرا » ، وهذه فائدة كنت عنها في ناحية ، وانصرفت . قد رأيت أيّها الشيخ - حاطك اللّه - عند بلوغي هذا الفصل أن أختم الجزء الأوّل بما انتهى إليه ، وأشفعه بالجزء الثاني على سياج ما سلف نظمه ونثره ، غير عائج على ترتيب يحفظ صورة التصنيف على العادة الجارية لأهله ، وعذري في هذا واضح لمن طلبه ، لأنّ الحديث كان يجري على عواهنه بحسب السانح والدّاعي . وهذا الفنّ لا ينتظم أبدا ، لأنّ الإنسان لا يملك ما هو به وفيه ، وإنما يملك ما هو له وإليه . وهذا فصل يحتاج إلى نفس مديد ، ورأي يصدر عن تأييد وتسديد : والسلام ، والحمد للّه وحده ، وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين ، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ، والحمد للّه رب العالمين .
هامش
( 1 ) مثل يضرب في الشماتة بالرجل ، يريدون أن المكروه ينزل به ولا ينزل بظبي أعفر ، كأنه من الخسة والهوان بحيث يفضّل عليه الظبي الأعفر .