فكان من الجواب : أن أبا سليمان قال : إن القضاء مصدره من العلم السابق ، والقدر مورده بالأجزاء الحادثة .
فقال : لم ورد في الأثر : « لا تخوضوا في القدر فإنّه سرّ اللّه الأكبر » .
فكان من الجواب : أن أبا سليمان قال لنا في هذه الأيام : إن الناموس ينطق بما هو استصلاح عامّ ، ليكون النفع به شائعا في سكون النفس وطيب القلب وروح الصدر .
فإن كان هذا هكذا فقد وضح أنّ حكمة هذا السرّ طيّه ، لأنّ عجز الناظرين يقضي بهم إلى الحيرة ، والحيرة مضلّة ، والمضلّة هلكة . وإذا كانت الراحة في الجهل بالشيء ، كان التعب في العلم بالشيء ، وكم علم لو بدا لنا لكان فيه شقاء عيشنا ، وكم جهل لو ارتفع منّا لكان فيه هلاكنا ، والعلم والجهل مقسومان بيننا ومفضوضان علينا على قدر احتمال كلّ واحد منّا للّذي سبق إليه وعلق به ، ألا ترى أنّ علمنا لو أحاط بموتنا متى يكون ؟ وعلى أيّ حال تحدث العلّة أو المحنة أو البلاء ؟ لكان ذلك مفسدة لنا ، ومحنة شديدة علينا .
فانظر كيف زوى اللّه الحكيم هذا العلم عنا ، وجعل الخيرة فيه لنا .
ألا ترى أيضا أنّ جهلنا لو غلب علينا في جميع أمورنا لكان فساد ذلك في عظم الفساد الأوّل ، والبلاء منه في معرض البلاء المتقدّم ، فمن هذا الّذي أشرف على هذا الغيب المكنون والسرّ المخزون فيغفل عن الشكر الخالص ، والاستسلام الحسن ، والبراءة من كلّ حول وقوّة .
فالاستمداد ممن له الخلق والأمر ، أعني الإبداء والتكليف ، والإظهار والتشريف ، والتقدير والتصريف .
قال : هذا فنّ حسن ، وأظنّك لو تصديت للقصص والكلام على الجميع « 1 » لكان لك حظّ وافر من السامعين العاملين ، والخاضعين والمحافظين .
فكان من الجواب : أن التصدّي للعامّة خلوقة « 2 » ، وطلب الرّفعة بينهم ضعة ، والتشبّه بهم نقيصة ، وما تعرّض لهم أحد إلّا أعطاهم من نفسه وعلمه وعقله ولوثته ونفاقه وريائه أكثر ممّا يأخذ منهم من إجلالهم وقبولهم وعطائهم وبذلهم .
وليس يقف على القاصّ إلّا أحد ثلاثة :
إمّا رجل أبله ، فهو لا يدري ما يخرج من أمّ دماغه .
وإمّا رجل عاقل فهو يزدريه لتعرّضه لجهل الجهّال .
هامش
( 1 ) يريد العامة .
( 2 ) يريد بالخلوقة هنا معنى التبذل والامتهان . يقال : خلق الثوب بتثليث اللام خلوقة خلاقة : إذا بلي .