393 ولباب الكرام ، وملح الأيام ، عتق منظر ، وجودة مخبر ، وجزالة منطق ، وسهولة لفظ ، ونزاهة أنفس [ ( 1 ) ] ، واكتمال خصال ، حتى لو فأخرت الدنيا بقليل أيامهم ، والمأثور من خصالهم كثير أيام من سواهم ، من لدن آدم أبيهم إلى نفخ الصور ، وانبعاث أهل القبور ، حاشا أنبياء اللَّه المكرمين ، وأهل وحيه المراسلين ، لما باهت إلا بهم ، ولا عوّلت في الفخر إلا عليهم ، ولقد كانوا مع تهذيب أخلاقهم ، وكريم أعراقهم ، وسعة آفاقهم ، ورفق ميثاقهم [ ( 2 ) ] ، ومعسول مذاقهم ، وسنيّ [ ( 3 ) ] إشراقهم ، ونقاوة أعراضهم ، وطيب أغراضهم ، واكتمال خلال الخير فيهم إلى ملء الأرض مثلهم ، في جنب محاسن المأمون كالنفثة في البحر ، وكالخردلة في المهمة القفر . قال سهل : إني لمحصل أرزاق العامة بين يدي يحيى بن خالد في داخل سرادقه ، وهو مع الرشيد بالرقة ، وهو يعقدها جملا بكفه ، إذ غشيته سآمة ، وأخذته سنة ، فغلبته عيناه . فقال : ويحك يا سهل ، طرق النوم شفري عينيّ ، فأظلمت وأكلت السنة خواطري [ ( 4 ) ] ، فما ذاك ؟ قلت : طيف كريم ، إن أقصيته أدركك ، وإن غالبته غلبك ، وإن قرّبته روّحك ، وإن منعته عنّتك ، وإن طردته طلبك . فنام أقلّ من فواق بكية [ ( 5 ) ] أو نزح ركيّة [ ( 6 ) ] ، ثم انتبه مذعورا ، فقال : يا سهل ، لأمر ما كان ، ذهب واللَّه ملكنا ، وذلّ عزّنا ، وانقطعت أيام دولتنا . فقلت :
وما ذاك أصلح اللَّه الوزير . قال : كأن منشدا أنشدني :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر
[ ( 7 ) ] فأجبته عن غير رويّة ولا إجالة فكر :
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالي والجدود العواثر
[ ( 8 ) ]
هامش
[ ( 1 ) ] في العقد : نفس .
[ ( 2 ) ] في العقد : ورونق سياقهم .
[ ( 3 ) ] في العقد : وبهاء . . . وتهذيب أغراضهم .
[ ( 4 ) ] في العقد : وحلّت السنة جفني .
[ ( 5 ) ] الفواق : بالضم والفتح ، ما بين الحلبتين من الوقت . أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع .
والبكيئة ( بكية : بعد أن سهلت الهمزة وأدغمت الياء بالياء ) القليلة اللبن .
[ ( 6 ) ] في العقد : أو نزع من ركية ، والركية : البئر .
[ ( 7 ) ] الحجون : جبل بأعلى مكة .
[ ( 8 ) ] البيتان في معجم البلدان ( حجون ) من أبيات قالها مضاض بن عمرو الجرهميّ يتشوق إلى مكة بعد أن أجلتهم عنها خزاعة .