تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
جمع اللَّه ذلك فيه ، ولم يزل منذ نشأ كذلك قد منحه اللَّه تعالى العلم والعمل ، والفهم واللب والنبل ، ووصل له ذلك بالدين والفضل ، عرف منه ذلك صغيرا ، وظهر فيه كبيرا ، واستلب الرئاسة ممن كان قد سبقه إليها ، بظهور نعمة اللَّه عليه ، وسمّوها به على كل سام ، فاستدعى ذلك منهم الحسد له ، وألجأهم ذلك إلى البغي عليه ، فدسوا إلى جعفر بن سليمان من قال له : 376 إن مالكا يفتي الناس بأن أيمان البيعة لا تحلّ ، ولا تلزمهم لمخالفتك ، واستكراهك إياهم عليها [ ( 1 ) ] ، وزعموا أنه يفتي بذلك أهل المدينة أجمعين ، لحديث رواه عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه » [ ( 2 ) ] فعظم ذلك على جعفر واشتد عليه وخاف أن ينحلّ عليه ما أبرم من بيعة أهل المدينة ، وهمّ أن يبدر فيه بما عافاه اللَّه منه ، وأنعم على المسلمين ببقائه . فقيل له : لا تبدر فيه ببادرة ، فإنه من أكرم الناس على أمير المؤمنين ، وآثرهم عنده ، ولا بأس عليك منه ، فلا تحدث شيئا إلا بأمر أمير المؤمنين ، أو يستحق ذلك عندنا بأمر لا يخفى على أهل المدينة . فدس إليه جعفر بن سليمان بعض من لم يكن مالك يخشى أن يؤتى من قبله ، ومن مأمنه يؤتى الحذر [ ( 3 ) ] ، فسأله عن الأيمان في البيعة فأفتاه مالك بذلك طمأنينة إليه ، وحسبة فيه . فلم يشعر مالك إلا ورسول جعفر بن سليمان يأتيه ، فأتوا به إليه منتهك الحرية ، مزال الهيبة ، فأمر به فضرب سبعين سوطا ، فلما سكن الهيج بالمدينة ، وتمت له البيعة ، بلغ بمالك ألم الضرب حتى أضجعه .

إنكار أبي جعفر المنصور لضرب مالك

قال : وذكروا أنه لما بلغ أبا جعفر ضرب مالك بن أنس ، وما أنزل به جعفر بن سليمان أعظم ذلك إعظاما شديدا ، وأنكره ولم يرضه ، وكتب بعزل
هامش
[ ( 1 ) ] قال ابن الأثير إن مالك أفتى أهل المدينة أنهم إنما بايعوا مكرهين وليس على مكره يمين فأسرع الناس إلى بيعة محمد بن عبد اللَّه ( الكامل 3 / 565 ) . وانظر وفيات الأعيان 4 / 137 وابن الجوزي في شذور العقود وذكر الحادثة سنة 147 . [ ( 2 ) ] رواه في الحلية 6 / 352 وقال : غريب من حديث مالك تفرد عنه ابن مصفى عن الوليد بن مسلم . [ ( 3 ) ] مثل عربي ، يعني أن الضرر يأتي الشخص من الجهة التي يأمن إليها كثيرا ويطمئن بها ( الميداني 2 / 177 ) .