تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
محمد على أن تسفك الدماء وأن يعملوا بغير الحقّ ، فخالف أبا جعفر ، وتبعه أكثر من ثلاثين ألفا ، 366 فوجه إليه أبو جعفر زياد بن صالح الخزاعي ، فقاتله شهورا ، ونهى أبو جعفر أن يسبى أحد منهم ، أو يقتل أحد من رجالهم ، لأنه كان فيهم قوم أخيار ورجال أشراف ، وكان خروجهم ديانة وإنكارا للدماء ، وللعمل بغير الحقّ ، فلذلك لم يقتلوا . وكتب إليهم :
وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا ، وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً
، وقد عفونا عنكم مرّتكم هذه ، فاللَّه اللَّه على دمائكم احقنوها .

اجتماع شبيب بن شيبة مع أبي جعفر قبل ولايته وبعدها

قال : وذكروا أن شبيب بن شيبة قال : حججت عام هلك هشام بن عبد الملك [ ( 1 ) ] ، فبينما أنا مريح ناحية المسجد ، إذ طلع عليّ من بعض أبوابه فتى أسمر ، رقيق السمرة ، موفّر اللمة [ ( 2 ) ] ، خفيف اللحية ، رحب الجبهة [ ( 3 ) ] ، كأن عينيه لسانان ناطقان ، عليه أبهة الأملاك ، في زيّ النسّاك ، تقبله القلوب ، وتتبعه العيون ، يعرف الشرف في تواضعه ، والعفو [ ( 4 ) ] في صورته ، واللبّ في مشيته فما ملكت نفسي أن نهضت في أثره سائلا عن خبره ، فتحرّم بالطواف . فلما قضى طوافه قصد المقام ليركع ، وأنا أرعاه ببصري ، ثم نهض منصرفا ، فكأنّ عينا أصابته ، فكبا كبوة دميت منها إصبعه [ فقعد لها القرفصاء ] ، فدنوت منه متوجعا لما ناله ، متصلا به ، أمسح عن رجله عفر التراب ، فلا يمتنع عليّ ، ثم شققت حاشية ثوبي ، فعصبت على رجله ، فلم ينكر ذلك ، ثم نهض متوكئا علي ، وانقدت له حتى أتى بناء [ ( 5 ) ] بأعلى مكة ، فابتدره غلامان ، تكاد صدورهما تنفرج من هيبته ، ففتحا له الباب ، فدخل واجتذبني ، فدخلت بدخوله ، فخلى يدي ، وأقبل على القبلة فصلى ركعتين ، ثم استوى في صدر مجلسه ، فحمد اللَّه وصلى على نبيه ، ثم قال : لم يخف عليّ مكانك منذ اليوم ، فمن تكون ؟ فقلت : شبيب بن شيبة التميمي . فقال : الأهتمي ؟ فقلت : نعم . فرحب وقرّب ، ووصف قومي بأبين وصف ، وأفصح لسان . فقلت : أصلحك اللَّه ، أحبّ المعرفة ، وأجلّ عن
هامش
[ ( 1 ) ] وذلك سنة 125 ه . [ ( 2 ) ] اللمة : الشعر الّذي على أعلى القفا ، يريد : كثيف وكثير اللمة . [ ( 3 ) ] زيد في العقد الفريد 5 / 106 : أقنى بيّن القني . [ ( 4 ) ] في بعض أصول العقد : والعتق . [ ( 5 ) ] في العقد : دارا .