قصة سابور ملك فارس
قال : وذكروا أن أبا جعفر دعا إسحاق بن مسلم العقيلي ، فقال له : حدثني عن الملك الّذي كنت حدثتني عنه بحرّان . فقال : نعم أكرمك اللَّه ، أخبرني أبي عن حصين بن المنذر : أن ملكا من ملوك فارس يقال له سابور الأكبر ، كان له وزير ناصح ، قد أخذ أدبا من آداب الملوك ، وشاب ذلك بفهم في الدين ، فانتصف من أهلها فعلا ولسنا [ ( 1 ) ] ، فوجهه سابور داعية إلى أهل خراسان ، وكانوا قوما يعظمون الدنيا جهالة بالدين ، واستكانة لحبّ الدنيا ، وذلا لجبابرتها ، فجمعهم على كلمة من الهدى يكيد بها مطالب الدنيا ، واعتزّ بقتل ملوكهم ، وتخوّله إياهم [ ( 2 ) ] ، وكان يقال : لكل ذليل دولة ، ولكل ضعيف صولة . فلما استوثقت له البلاد ، جعل إليه سابور أمرهم ، وأحال عليه طاعتهم ، فساس قوما لا يرامونه إلى ما سبق إليه قبلهم ، فلم ينتصف سابور من طاعتهم ، واستمالة أهوائهم ، مع ما لا يأمن من زوال القلوب ، وغدرات الوزراء ، فاحتال على قطع رجائه عن قلوبهم ، فصمم على قتله عند وروده عليه برؤساء أهل خراسان وفرسانهم فقتله ، فلم يرعهم إلا ورأسه بين أيديهم ، فوقف بهم بين الفرقة وتخطف الأعداء ، ونأي الرجعة واليأس من صاحبهم ، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور ، ويتعوّضوه من الفتنة ، فملكهم ثمانين عاما .
فأطرق أبو جعفر مليا ، ثم قال متمثلا :
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علّم الإنسان إلا ليعلما
خروج شريك بن عون على أبي جعفر وخلعه
قال : وذكروا أن أبا جعفر لما استقامت له الأمور ، واستولى على الملك ، خرج عليه شريك بن عون الهمدانيّ وقال : ما على هذا بايعتك ، ولا بايعنا آل
هامش
[ ( ) ] خالد بن إبراهيم ) ثم عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي ، ثم خازم بن خزيمة بن ناجية ( وقال ابن الأثير 3 / 551 أنه بعد مقتل عبد الجبار وليها المهدي وخليفته بها السري بن عبد اللَّه ) ، وجبريل بن يحيى بن ناجية ، ثم أسد بن عبد اللَّه ، ثم عبد اللَّه بن مالك الخزاعي ، ثم أبو عون الحمصي ، ثم حميد بن قحطبة مات بها واستخلف ابنه عبد اللَّه بن حميد .
[ ( 1 ) ] اللسن : البلاغة .
[ ( 2 ) ] أي جعلهم خولا : خدما وعبيدا .