تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
عبد الملك . فقال له عبد الرحمن : ذكرت واللَّه عالما بهذا الأمر ، أما لئن قلت ذلك لقد وقفت بين يديه وأنا غلام ، يوم توفي أبي معاوية ، وهشام يومئذ خليفة ، فكشفت عن ظهري ، فنظر إلى ما نظرت إليه . فقال لهشام جدي وهو يبكي : هذا اليتيم يا أمير المؤمنين صاحب ملك المغرب . فقال له هشام : وما الّذي أبكاك يا أبا سعيد ؟ ألهذا تبكي ؟ فقال : أبكي واللَّه على نساء بني أمية وصبيانهم ، كأني بهم واللَّه قد أبدلوا بعد أساورة الذهب والفضة الأغلال والحديد ، وبعد الطيب والدهن البقل والعقار ، وبعد العزّ الذلّ والصغار . فقال هشام : أحان زوال ملك بني أمية يا أبا سعيد ؟ فقال مسلمة : إي واللَّه حان ، وإن هذا الغلام يعمر منهم ، ثم يصير إلى المغرب فيملكها . فقال له الرجل : فاقبض مني هذا المال ، واخرج بمن تثق به من غلمانك . فقال عبد الرحمن : واللَّه إن هذا الوقت ما يوثق فيه بأحد ، فولى ذاهبا ، وخرج لا يدري متى خرج ، فلحق بالمغرب ، وأقبل القوم من بني أمية ، وقد أعدّ لهم السفاح مجلسا فيه أضعافهم من الرجال ، ومعهم السيوف والأجرزة [ ( 1 ) ] ، فأخرجهم عليهم ، فقتلهم وأخذ أموالهم [ ( 2 ) ] ، واستعفى [ ( 3 ) ] عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك ، وكان عبد الواحد قد بذّ العابدين في زمانه ، وسبق المجتهدين في عصره ، فركب السفاح إلى أموال عبد الواحد ، وكان عبد الواحد قد اتخذ أموالا معجبة ، تطّرد فيها المياه والعيون ، فأمره السفاح أن يصيرها إليه ، فأبى عليه ، واختفى منه ، فأخذ رجالا من أهله ، فتواعدهم السفاح ، وأمر بحسبهم حتى دلوه عليه . فلما قبضه أمر بقتله ، ثم استقصى ماله ، فبلغ ذلك أبا العباس أمير المؤمنين ، وكان أبو العباس يعرفه قبل ذلك ، وكان عبد الواحد أفضل قرشيّ كان في زمانه عبادة وفضلا . فقال أبو العباس : رحم اللَّه عبد الواحد ، ما كان واللَّه ممن يقتل لغائلة [ ( 4 ) ] ، ولا ممن يشار إليه بفاحشة ، وما قتلته إلا أمواله ، ولولا أن السفاح عمي ، وذمامه ورعاية حقه عليّ واجب ، لأقدت منه [ ( 5 ) ] ، ولكن اللَّه طالبه ، وقد كنت أعرف عبد الواحد برّا
هامش
[ ( 1 ) ] الأجرزة جمع جرز ، وهو عمود حديد . [ ( 2 ) ] وكانوا ثلاثة وسبعين ( الطبري ) ، بضعة وثمانين ( مروج الذهب ) اثنين وثمانين ( العقد ) . نحو تسعين رجلا ( ابن الأثير ) ، ثمانون ( تاريخ اليعقوبي ) . [ ( 3 ) ] استعفى : أي تركه ولم يقتله . [ ( 4 ) ] يريد أنه قتل غدرا . [ ( 5 ) ] أي اقتصصت منه ، وقتلته قودا بعبد الواحد .
الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 168 | ابن قتيبة الدينوري / علي شيري