تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
هذا ، للَّه آباؤكم ! فما تنتظرون ؟ أما ترون إلى أطرافكم قد انتقصت [ ( 1 ) ] ، وإلى مصركم قد افتتح ؟ فما بالكم تؤفكون ! ألا إن القوم قد اجتمعوا وجدوا وتناصحوا ، 183 وإنكم تفرقتم واختلفتم وتغاششتم ، فأنتم إن اجتمعتم تسعدوا ، فأيقظوا رحمكم اللَّه نائمكم ، وتحرزوا لحرب عدوكم ، إنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء ، ممن أسلم كرها ، وكان لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حربا ، أعداء السنة والقرآن ، وأهل الأحزاب والبدع والأحداث ، ومن كانت بوائقه تتقى ، وكان عن الدين منحرفا ، وأكلة الرشا ، وعبيد الدنيا ، لقد نمى إليّ أن ابن الباغية [ ( 2 ) ] لم يبايع معاوية حتى شرط عليه أن يؤتيه أتاوة هي أعظم ما في يديه من سلطانه ، فصفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا ! وتربت يد هذا المشتري نصرة غادر فاسق بأموال الناس ! وإن منهم لمن شرب فيكم الحرام ، وجلد حدا في الإسلام [ ( 3 ) ] ، فهؤلاء قادة القوم ، ومن تركت ذكر مساويه منهم شر وأضر ، وهؤلاء الذين لو ولوا عليكم لأظهروا فيكم الغضب والفخر . والتسلط بالجبروت ، والتطاول بالغضب ، والفساد في الأرض ، ولا تبعوا الهوى ، وحكموا بالرشا ، وأنتم على ما فيكم من تخاذل وتواكل خير منهم وأهدى سبيلا ، فيكم الحكماء ، والعلماء والفقهاء ، وحملة القرآن ، والمتهجدون بالأسحار ، والعبّاد ، والزهاد في الدنيا ، وعمّار المساجد ، وأهل تلاوة القرآن ، أفلا تسخطون وتنقمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم ، والأراذل والأشرار منكم ! اسمعوا قولي إذا قلت ، وأطيعوا أمري إذا أمرت ، واعرفوا نصيحتي إذا نصحت ، واعتقدوا جزمي إذا جزمت ، والتزموا عزمي إذا عزمت ، وانهضوا لنهوضي ، وقارعوا من قارعت ، ولئن عصيتموني لا ترشدوا ولا تجتمعوا ، خذوا للحرب أهبتها ، وأعدوا لها التهيؤ ، فإنّها قد وقدت نارها ، وعلا سناها ، وتجرد لكم فيها الظالمون ، كيما يطفئوا نور اللَّه ويقهروكم ، عباد اللَّه ، ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والجفاء ، بأولى في الجد في غيهم وضلالهم وباطلهم ، من أهل النزاهة والحق والإخبات بالجد في حقهم ، وطاعة ربهم ، ومناصحة إمامهم ، إني واللَّه لو لقيتهم
هامش
[ ( 1 ) ] أطراف البلاد : جوانبها ، قد حصل فيها النقص باستيلاء العدو عليها . [ ( 2 ) ] كذا بالأصل ، يريد ابن النابغة يعني عمرو بن العاص . [ ( 3 ) ] يريد الوليد بن عقبة بن أبي معيط . وقد تقدم خبره . وقيل يريد عتبة بن أبي سفيان ، وقد حده خالد بن عبد اللَّه بالطائف .
الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 178 | ابن قتيبة الدينوري / علي شيري