تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
دار ، تسفكون دماءكم ، وتقتلون أولادكم ، 180 وتقطعون أرحامكم وتأكلون أموالكم بينكم بالباطل ، فمن اللَّه عليكم ، فبعث محمدا إليكم بلسانكم ، فكنتم أنتم المؤمنين ، وكان الرسول فيكم ومنكم ، تعرفون وجهه ونسبه ، فعلمكم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض ، وأمركم بصلة الأرحام ، وحقن الدماء ، وإصلاح ذات بينكم ، وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، وأن توفوا بالعقود ، وأن تعاطفوا وتبارّوا وتراحموا ، ونهاكم عن التظالم والتحاسد والتقاذف والتباغي ، وعن شرب الحرام ، وعن بخس المكيال والميزان ، وتقدم إليكم فيما أنزل عليكم أن لا تزنوا ولا تأكلوا أموال اليتامى ظلما ، فكل خير يبعدكم عن النار قد حضكم عليه ، وكل شر يبعدكم عن الجنة قد نهاكم عنه ، فلما استكمل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم مدته من الدنيا توفاه اللَّه وهو مشكور سعيه مرضي عمله ، مغفور له ذنبه ، شريف عند اللَّه نزله ، فيا لموته مصيبة خصت الأقربين ، وعمت المؤمنين ، فلما مضى تنازع المسلمون الأمر بعده ، فو اللَّه ما كان يلقى في روعي [ ( 1 ) ] ، ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر عني ، فما راعني إلا إقبال الناس على أبي بكر ، وإجفالهم عليه ، فأمسكت يدي ، ورأيت أني أحق بمقام محمد في الناس ممن تولى الأمور عليّ ، فلبثت بذلك ما شاء اللَّه ، حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محو دين محمد . وملة إبراهيم عليهما السلام . فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله . أن أرى في الإسلام ثلما [ ( 2 ) ] وهدما . تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولاية أمركم . التي إنما هي متاع أيام قلائل . ثم يزول ما كان منها ، كما يزول السراب ، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ، ونهضت معه في تلك الأحداث ، حتى زهق الباطل ، وكانت كلمة اللَّه هي العليا ، وأن يرغم الكافرون ، فتولى أبو بكر رضي اللَّه عنه تلك الأمور فيسّر ، وسدد ، وقارب ، واقتصد ، فصحبته مناصحا ، وأطعته فيما أطاع اللَّه فيه جاهدا ، فلما احتضر بعث إلى عمر ، فولاه ، فسمعنا وأطعنا ، وبايعنا وناصحنا ، فتولى تلك الأمور ، فكان مرضيّ السيرة ، ميمون النقيبة أيام حياته ، فلما احتضر قلت في نفسي : ليس يصرف هذا الأمر عني . فجعلها عمر شورى وجعلني سادس ستة ، فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتي ، لأنهم كانوا
هامش
[ ( 1 ) ] روعي : بالضم القلب أو موضع الروع منه ، وبفتح الراء : الفزع . [ ( 2 ) ] ثلما أي خرقا .
الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 175 | ابن قتيبة الدينوري / علي شيري