156
قتل عمار بن ياسر
قال : فلما ردّ عليّ على عمار أنه كاره للقضية ، وأنه ليس من رأيه ، نادى عمار : أيها الناس هل من رائح إلى الجنة ، فخرج إليه خمس مائة رجل ، منهم أبو الهيثم وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، فاستسقى عمار الماء ، فأتاه غلام له بإداوة فيها لبن ، فلما رآه كبّر
وقال : سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول : « آخر زادك من الدنيا لبن »
[ ( 1 ) ] ، ثم قال عمار : اليوم ألقى الأحبة : محمدا وحزبه . ثم حمل عمار وأصحابه ، فالتقى عليه رجلان فقتلاه [ ( 2 ) ] ، وأقبلا برأسه إلى معاوية يتنازعان فيه ، كل يقول أنا قتلته ، فقال لهما عمرو بن العاص : واللَّه إن تتنازعان إلا في النار ،
سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول : « تقتل عمارا الفئة الباغية »
[ ( 3 ) ] فقال معاوية : قبحك اللَّه من شيخ ! فما تزال تتزلق في قولك ، أو نحن قتلناه ؟ إنما قتله الذين جاءوا به ، ثم التفت إلى أهل الشام فقال :
إنما نحن الفئة الباغية ؟ التي تبغي دم عثمان . فلما قتل عمار اختلط الناس ، حتى ترك أهل الرايات مراكزهم ، وأقحم أهل الشام ، وذلك من آخر النهار ، وتفرق الناس عن عليّ ، فقال عدي بن حاتم : واللَّه يا أمير المؤمنين ما أبقت هذه الوقعة لنا ولا لهم عميدا ، فقاتل حتى يفتح اللَّه تعالى لك ، فإن فينا بقية ،
فقال علي : يا عديّ ، قتل عمار بن ياسر ؟ قال : نعم ، فبكى علي وقال : رحمك اللَّه يا عمار ، استوجب الحياة والرزق الكريم ، كم تريدون أن يعيش عمار ، وقد نيّف على التسعين ؟
[ ( 4 ) ] .
هزيمة أهل الشام
ثم أقبل الأشتر جريحا ، فقال : يا أمير المؤمنين ، خيل كخيل ، ورجال كرجال ، ولنا الفضل إلى ساعتنا هذه ، فعد مكانك الّذي كنت فيه ، فإن الناس
هامش
[ ( 1 ) ] رواه البيهقي في الدلائل 6 / 420 والإمام أحمد في مسندة 4 / 319 والحاكم في المستدرك 3 / 389 .
[ ( 2 ) ] هما أبو العادية العاملي وابن جون السكسكي ( مروج الذهب ) وفي وقعة صفين لابن مزاحم : ابن جون السكونيّ ، وأبو العادية الفزاري طعنه أبو العادية واحتز رأسه ابن جون .
[ ( 3 ) ] مسند الإمام أحمد 2 / 161 ، 3 / 5 ، 4 / 319 ، 6 / 315 و 289 . وبعضه أخرجه مسلم في الفتن 4 / 233 والبخاري في الصلاة فتح الباري 1 / 541 .
[ ( 4 ) ] في مروج الذهب : ثلاث وتسعون سنة .