تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
فلما قدم على معاوية كتاب علي مع الحجاج بن عدي الأنصاري ، ألفاه وهو يخطب الناس بدمشق ، فلما قرأه اغتم بذلك ، وأسره عن أهل الشام ، ثم قام الحجاج بن عدي خطيبا ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : يا أهل الشام ، إن أمر عثمان أشكل على من حضره ، المخبر عنه كالأعمى ، والسميع كالأصم ، عابه قوم فقتلوه ، وغدره قوم فلم ينصروه [ ( 1 ) ] ، فكذبوا الغائب واتهموا الشاهد وقد بايع الناس عليا على منبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بيعة عامة ، من رغب عنها رد إليها صاغرا داحرا ، فانظروا في ثلاث وثلاث ، ثم اقضوا على أنفسكم : أين الشام من الحجاز ؟ وأين معاوية من علي ؟ وأين أنتم من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بالإحسان ؟ قال : فغضب معاوية لقوله وقال : يا حجاج ، أنت صاحب زيد بن ثابت يوم الدار ؟ قال : نعم ، فإن كان بلغك وإلا أحدثك ، 114 قال : هات . قال : أشرف علينا زيد بن ثابت ، وكان مع عثمان في الدار ، وقال : يا معشر الأنصار ، انصروا اللَّه ( مرتين ) ، فقلت : يا زيد ، إنا نكره أن نلقى اللَّه فنقول كما قال القوم :
رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا
، فقال معاوية : انصرف إلى علي ، وأعلمه أن رسولي على إثرك . ثم إن معاوية انتخب رجلا من عبس ، وكان له لسان ، فكتب معاوية إلى علي كتابا عنوانه : « من معاوية إلى علي ، وداخله : بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم لا غير » . فلما قدم الرسول دفع الكتاب إلى علي ، فعرف علي ما فيه ، وأن معاوية محارب له ، وأنه لا يجيبه إلى شيء مما يريد ، وقام رسول معاوية خطيبا ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : هل هاهنا أحد من ابنا قيس عيلان ، وبني عبس وذبيان ؟ قالوا : نعم ، هو حولك ، قال : فاسمعوا ما أقول لكم ، يا معشر قيس ، إني أحلف باللَّه لقد خلفت بالشام خمسين ألف شيخ ، خاضبين لحاهم من دموع أعينهم تحت قميص عثمان ، رافعيه على الرماح مخضوبا بدمائه ، قد أعطوا اللَّه عهدا أن لا يغمدوا سيوفهم ، ولا يغمضوا جفونهم ، حتى يقتلوا قتلة عثمان ، يوصي به الميت الحي ، ويرثه الحي من الميت ، حتى واللَّه نشأ عليه الصبي ، وهاجر عليه الأعرابي ، وترك القوم تعس الشيطان ، وقالوا : تعسا لقتلة عثمان ،
هامش
[ ( 1 ) ] يشير إلى موقف معاوية وتربصه بعثمان وعدم الاستعجال بنصرته ، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الموقف .
الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 103 | ابن قتيبة الدينوري / علي شيري