يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً "
( سورة الفرقان 58 : 59 ) . . لأن هذه مشيئة الإرادة التي تملك الإنجاز في لا زمن ، كما تملكه في نطاق الزمن ، وهي التي ربطت بين المادة والزمن 114 .
نعود إلى النفس العاملة حيث نجد إنها بمثابة جهاز مصحح للنفس الفاعلة ، من حيث إنها تركب في كلية الشخصية المتماسكة جميع " الهنات " ( الهنا بالفتح تستعمل للمكان الحسي ) ، والآنات - أي التعبير القليل في المكان والزمان مما لا غنى عنه للنفس الفاعلة . فالزمان المحض إذا ، كما يكشفه التحليل العميق لحياتنا الشعورية ، ليس خيطا من لحظات متفرقة متقلبة ، وإنما هو كل مركب ، ليس الماضي فيه متخلفا ، ولكنه متحرك مع الحاضر ويؤثر فيه - والمستقبل يتصل بهذا الكلّ المركب لا بوصفه موجودا أمامه ، ليجتاز بعد ، وإنما يتصل بهذا الكل المركب بمعنى إنه ماثل في طبيعته في صورة إمكان قابل للتحقيق 115 .
والزمان باعتباره كلا مركبا . هو الذي يسميه القرآن التقدير :
" إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ "
( سورة القمر : 49 ) ، و " التقدير " هو الزمان عندما ننظر إليه على أنه سابق على وقوع إمكانياته ، هو الزمن الخالص من شباك تتابع العلّة والمعلول ، أي حالة الرسم البياني التي يفرضها الفهم المنطقي على الزمان ، وبالاختصار هو الزمان كما نشعر به ، لا كما نفكر فيه أو نحسبه . ولذا وجب أن يأتي بعد " التقدير " قوله تعالى :
" وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ "
( سورة القمر 50 ) فهي إشارة واحدة . . أو كلمة واحدة يتم بها كل أمر : الجليل والصغير سواء . وليس هنالك جليل ولا صغير . إنما ذلك تقدير البشر للأشياء . وليس هنالك زمن ولا ما يعادل لمح البصر ، إنما هو تشبيه لتقريب الأمر إلى حس البشر . فالزمن إن هو إلا تصور بشرى ناشئ من دورة أرضهم الصغيرة ، ولا وجود له في حساب اللّه المطلق من هذه التصورات المحدودة 116 .
والقصة القرآنية تساعد على توضيح أحداثها باستخدام أساليب الزمان الأربعة ،