ففي قصة يوسف نقرأ ثلاثة أساليب في معاملة الزمان :
1 - ذكر العشاء في قصة إخوة يوسف لأنه جزء من الليل يمكن فيه تدبير الجريمة . ولذلك تستر إخوة يوسف في ظلامه ، وجاءوا فيه إلى أبيهم يخبرونه هذا الخبر المشئوم المكذوب
" وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ "
( سورة يوسف 16 ) . . فهذه الجزئية من جزئيات الزمن حرص القرآن على ذكرها لأن لها مكانا في سير أحداث القصة . . ذلك أن ظلام الليل الذي أظلّ هذا الكذب الذي وصفه اللّه سبحانه وتعالى بقوله :
" وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ "
( سورة يوسف : 18 ) . هو نفسه الظلام الذي نم على الكذب ، ودل عليه ، وألقى في خاطر الأب ، أن أبناءه لو كانوا صادقين فيما أخبروا لسارعوا إلى أبيهم بالحدث في وقته ، لأن مثل هذا الحدث لا يسكت عليه لحظة 117 .
2 - بعد أن أبى يوسف الاستجابة لمراودة امرأة العزيز ، وشهد شاهد من أهلها ، بما يثبت براءته . قال العزيز :
" يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ "
( يوسف : 29 ) . . ولكن أصرّت امرأة العزيز على متابعة ما هي فيه . ويأتي قول اللّه تعالى :
" ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ "
( يوسف 35 ) . . وتسير القصة حتى ينبئ يوسف صاحبيه في السجن ما رأيا في المنام ،
" وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ "
( سورة يوسف : 42 ) .
ونقف عند قوله تعالى :
" حَتَّى حِينٍ "
وقوله
" بِضْعَ سِنِينَ "
فالمدة التي قضاها يوسف - رغم أهميتها - غير محددة في القصة . " وبضع " لغويا قد تكون بين الثلاث والتسع ، وعدم التحديد هنا يزيد من الإحساس بالظلم الواقع على يوسف ، وبفساد نظام الحكم وقتئذ ، فسادا يمكن أن يبقى فيه البريء سجينا مدة لا حساب للزمن فيها ، السجين دفعته أهواء الحكم وسلطة الحاكمين إلى السجن ، وقد تدفعه إلى النور شهادة ساقي الخمر ، أو وساطة من حاشية الحاكم 118 ، ومن ناحية أخرى يبرهن عدم التحديد على أن يوسف ذو عزم متين وصبر عجيب 119 .