ظالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ "
( سورة القلم آيات 18 - 33 ) .
وهذه القصة قد تكون متداولة ومعروفة ، ولكن السياق القرآني يكشف عمّا وراء حوادثها ، من فعل اللّه وقدرته ، ومن ابتلاء وجزاء لبعض عباده ويكون هذا هو الجديد في سياقها القرآني . . ومن خلال نصوصها وحركاتها نلمح مجموعة من الناس بدائية أشبه في تفكيرها وتصورها وحركتها بأهل الريف البسطاء السذج .
ولعل هذا المستوى من النماذج البشرية كان أقرب إلى المخاطبين بالقصة ، الذين كانوا يعاندون ويجحدون ، ولكن نفوسهم ليست شديدة التعقيد ، إنما هي أقرب إلى السذاجة والبساطة . .
والقصة من ناحية الأداء تمثل إحدى طرق الأداء الفني للقصة في القرآن وفيها مفاجآت مشوقة ، كما أن فيه سخرية بالكيد البشرى العاجز أمام تدبير اللّه وكيده . .
وفيه حيوية في العرض حتى لكأن السامع - أو القارئ يشهد القصة حية تقع أحداثها أمامه وتتوالى ، فيعلم ما لا يعلمه أصحاب الجنة من أمرها . . فقد شهد تلك اليد الخفية اللطيفة تمتدّ إليها في الظلام ، فتذهب بثمرها كله . . وهذا لون من ألوان التناسق في التعبير الفني القرآني ، يضاف إلى نظائره هنالك .
واللّه سبحانه وتعالى يسوق إلى قريش هذه التجربة من واقع البيئة ، ومما هو متداول بينهم من القصص ، فيربط بين سنته في الغابرين وسنته في الحاضرين ، ويلمس قلوبهم بأقرب الأساليب إلى واقع حياتهم . وفي الوقت ذاته يشعر المؤمنون بأن ما يرونه على المشركين - من كبراء قريش - من آثار النعمة والثروة إنما هو ابتلاء من اللّه ، له عواقبه ، وله نتائجه . وسنته أن يبتلى بالنعمة كما يبتلى بالبأساء سواء . فأما المتبطرون المانعون للخير المخدوعون بما هم فيه من نعيم ، فذلك كان مثلا لعاقبتهم :
" وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ "
. وأما المتقون الحذرون فلهم عند ربهم جنات النعيم :
" إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ "
. . وهو التقابل في العاقبة ، كما