ومن المشاهد أنه لو مر أحد الملوك أو الأمراء بنسخ مصحف أو كتاب لا يقدّمه الكاتب إليه إلا بعد مزيد من العناية بتصحيحه والتثبت من عدم وجود أي غلط فيه ، فكيف بهؤلاء الصحابة الذين بذلوا أنفسهم رخيصة للّه لا يتحرّون في كتابة وضبط المصحف الشريف الذي هو أساس الدين الإسلامي الحنيف ؟ .
هذا ، ولقد وصلت عدة مصاحف من جمع عثمان إلى البلدان الإسلامية ، فلو وجدوا فيها خطأ أو غلطا لما سكت أحد من المسلمين عليه ، ولكنهم أجمعوا على صحتها وقبولها وقد قال عليه الصلاة والسلام :
« إن أمتي لن تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم » « 1 » ، وقال أيضا في حديث العرباض بن سارية : « فإنه من يعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ » « 2 » .
ولهذا كان إجماعهم حجة . على أنك لن تجد من المسلمين عناية بشيء كعنايتهم بكتاب اللّه تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، سواء في نسخه أو تصحيحه أو حفظه أو حرمته وهذا لا يحتاج إلى دليل .
وانظر كم من المصاحف التي لا تعد ولا تحصى قد كتبت منذ بدء الإسلام إلى يومنا هذا « أي أربعة عشر قرنا » فهل رأيت فيه تبديلا أو تغييرا مع كثرة أعداء الدين من مختلف الأجناس والعقول « 3 » .
ثم وقفنا على كلام الإمام أبي عمرو عثمان بن سعيد الدّاني مؤلف كتاب « المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار » مع كتاب النقط حيث ردّ على من نسب لعثمان بن عفان رضي اللّه عنه بأن في القرآن لحنا تقيمه العرب بألسنتها ، فرأينا إثباته هنا لما لكلامه من القيمة العلمية ، فقد
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة عن أنس بن مالك وهو حديث صحيح .
( 2 ) رواه أبو داود والترمذي .
( 3 ) نفس المصدر السابق ونفس الصفحة .